تالله ما علقت محاسنك امرأ
إلا وعز على الورى استنقاذه
أغريت حبك بالقلوب فأذعنت
طوعا وقد أودى بها استحواذه
ما لي أتيت الحظ من أبوابه
جهدي فدام نفوذه ولواذه
إياك من طمع المنى فعزيزه
كذليله وغنيه شحاذه
ذالية «ابن دريد» أستهوي بها
قوما غداة نبت به بغداذه
دانوا لزخرف قوله فتفرقت
طمعا به صرعاه أو جذاذه
من قدر الرزق السني لك إنما
قد كان ليس يضره إنفاذه
وكان ابن دريد رحمه الله على ما هو عليه من الحظوظ ومعاقرة الراح والإدمان على الخمر وانغماسه في موبقاته عالما خطيبا، بل هو أفقه أهل زمانه وأعلمهم وأزكاهم.
وليس به من نقص يذكرونه فيه إلا تعاطيه الخمر، واندماجه دائما في دائرة المجون، وانكبابه على خلاعته، الأمر الذي نفر العلماء والعظماء منه، حتى تآمر عليه ونفوه من بغداد، وأصابته الفاقة.
شهاب الدين السهروردي
هو أبو حفص عبد الله البكري الملقب ب «شهاب الدين السهروردي»، نسبة إلى بلدة سهرورد التي ولد بها «سنة 539 هجرية»، ويعرف بالشهاب. كان أوحد زمانه في الفلسفة والحكم البالغة، مفرط الذكاء، حسن العبارة، متبحر في العلم والأدب، وله تصانيف كثيرة، منها؛ «الهياكل»، و«التلويحات»، و«الرقم القدسي في تفسير القرآن»، و«اللمحات في المنطق». نال حظه من العلم والذكاء، إلا أنه من سوء حظه رمي بالزندقة عند السلطان صلاح الدين الأيوبي؛ فخاف أن يهدر دمه فهرب إلى الشام.
ولما دخل حلب اجتمع بالملك الظاهر غازي، فأعجبه كلامه ومال إليه؛ فكتب أهل حلب إلى والده السلطان صلاح الدين بما معناه: «أن أدرك ولدك وإلا أتلفه الشهاب السهروردي.»
فكتب السلطان صلاح الدين إلى ولده الظاهر بالابتعاد عن شهاب الدين، وأمره بطرده من حلب فطرده، ثم أمره بقتله فهرب. وكان الشهاب السهروردي على قوة رسوخه في العلم، زرئ الخلقة، دنس الثياب. توفي فقيرا بائسا «سنة 632 هجرية». ومن محاسن شعره في التصوف قصيدته الحائية، وهي:
أبدا تحن إليكم الأرواح
ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم
وإلى لذيذ لقائكم ترتاح
وا رحمتا للعاشقين تكلفوا
ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم
وكذا دماء البائحين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم
عند الوشاة المدمع السفاح
وبدت شواهد للسقام عليهم
فيها لمشكل أمرهم إيضاح
خفض الجناح لكم وليس عليكم
للصب في خفض الجناح جناح
فإلى لقاكم نفسه مرتاحة
وإلى رضاكم طرفه طماح
عودوا بنور الوصل في غسق الجفا
فالهجر ليل والوصال صباح
صافاهم فصفوا له فقلوبهم
في نورها المشكاة والمصباح
وتمتعوا فالوقت طاب لقربكم
راق الشراب ورقت الأقداح
يا صاح ليس على المحب ملامة
إن لاح في أفق الوصال صباح
لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى
كتمانهم فنمى الغرام فباحوا
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها
لما دروا أن السماح رباح
ودعاهم داعي الحقائق دعوة
فغدوا بها مستأنسين وراحوا
ركبوا على سنن الوفا ودموعهم
بحر وشدة شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه
حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون لغير ذكر حبيبهم
أبدا فكل زمانهم أفراح
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم
فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم
حجب البقا فتلاشت الأرواح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح
قطب الدين الشيرازي «قطب الدين الشيرازي» هو محمود بن مصلح الشيرازي، إمام عصره في المعقولات، وكان في غاية الذكاء، وله تصانيف مشهورة، وهو من طبقة العلماء المعدودين، ومن الكرام المطبوعين على الفضل، إلا أنه كان متهاونا بالدين، محبا للخمر، وكان من سوء حظه الجلوس في مجتمعات المساكر وحلقات المساخر، ومع ذلك كان محبوبا عند الأمراء، معظما عند الملوك، وكل منهم يعطف عليه، ويجزل له العطاء، ويجد فيه النديم المسامر. وكان له بين أصحابه وعارفي فضله منزلة سامية. ولم يكن فيه ما يشين غير انحرافه عن مبدأ العظماء ومكانة العلماء.