تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متى انتهى العمل ولاقيت حتفي، وفرغت من مأساة الحياة في هذا العالم المحزن، فهناك تسبح روحي في فضاء الأبدية. وإذ ذاك تتبدل وحشة أيامي بالأنس، وتمر حقائق الحق بأنوارها الخلابة، حيث تنطمس رسوم هذه الأيام، وتندثر أحلامها المؤلمة؛ فأنسى ما أثارته تنهدات الأسى في أعماق صدري، ودموع اليأس والأسف من أجفاني.

إن روحي ستكون في العالم الآخر، وراء حجب الغيب تحوطها الأسرار في عالم من العجائب الغريبة، التي ما كنا نعرفها في حقيقة الوجود، ولا ندرك معناها في أوهامنا المضطربة.

لقد تعذبت على الأرض، وكادت تنفجر من نفسي مرارة الكتمان، فعسى أجد الراحة في دار الخلود.

وعمل قليل سأصبح جثة هامدة، وأصير في غيبوبة روحية بانقطاع ذلك السيال المغناطيسي الذي يربط الروح بالجسم، ثم تغمرني الأنوار فأسبح في عوالم الأزل، لا أسمع ولا أرى.

وإن بعد الموت لحالات يجتازها الإنسان وهو غائب بكل مشاعر النفس، لا يعرف أين هو، حتى يناديه الجبار يوم الحساب.

وكانت وفاته سنة «715 هجرية».

ابن بسطام

هو يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام أبو زكريا الخطيب التبريزي الشيباني، إمام اللغة والنحو، تخرج عليه خلق كثير، وهو الذي شرح الحماسة وديوان المتنبي والمعلقات وغير ذلك، وكان فقير الحال جدا لا يملك ما يقتات به إلا من وجوه الأعيان. «روي عنه» أنه من شدة ملازمة البؤس له تحصل على نسخة من التهذيب في اللغة للأزهري في عدة مجلدات لطاف، فأراد تحقيق ما فيها على عالم من أئمة اللغة، فدلوه على أبي العلاء المعري، فوضع الكتاب في مخلاة وحمله على ظهره من تبريز إلى المعرة، ولم يكن معه ما يستأجر به دابة تحمله. فسار على قدميه يقطع مهاد الأرض، وكان الفصل صيفا والحر شديدا؛ فصهرته الشمس بحرارتها وهو في وقت الهاجرة، فرشح جسمه بالعرق، ونفذ العرق من ظهره إلى المخلاة ووصل إلى نسخ الكتاب؛ فبللها وأثر فيها تأثيرا كثيرا، حتى محا كتابة بعضها.

فاغتم لذلك غما شديدا حتى أثر فيه الحزن؛ فمات فجأة في شهر جمادى الآخرة سنة «502 هجرية». ومن محاسن شعره:

فمن يسأم من الأسفار يوما

فإني قد سئمت من المقام

أقمنا بالعراق على رجال

لئام ينتمون إلى لئام

الأبيوردي «الأبيوردي» هو أبو مظفر محمد بن العباس، ينتهي نسبه إلى معاوية الأصفر بن عنبسة بن الأشرف القرشي الأموي الشاعر المشهور. كان من الأدباء المشهورين، راوية نسابة، وله ديوان شعر جيد، وتصانيف كثيرة منها؛ «تاريخ أبيورد»، وكتاب «ما اختلف وائتلف في أنساب العرب». وله في اللغة مصنفات كثيرة لم يسبق إليها، وكان حسن الاعتقاد، نظيف الثوب دائما، إلا أنه شديد الفاقة جدا. «قيل» إنه مكث سنتين لا يقدر على شراء جبة يلبسها في الشتاء، وكان إذا سأله أحد معارفه عن لبس جبة تقيه شدة البرد يقول: بي علة تمنعني لبس المحشو. وكان يقصد بذلك الإيهام والتورية، «ومعنى العلة هنا» علة الفقر.

توفي في عصر يوم الخميس خامس وعشرين ربيع الأول «سنة 577 هجرية». ومن محاسن شعره:

لك ما يروقه الغمام الهاطل

إن رد عبرته الجموح السائل

وعليك يا طلل الجميع تحية

أصغى ليسمعها المحل الآهل

أمن البلى هذا النحول أم الصبا؟

فالحب من شيمي وأنت الناحل

خلع الربيع عليك من أنواره

حليا توشحه ثراك العاطل

والروض في أفواهه متبرج

والزهر في حلل السحائب رافل

وغنيت في حجر الحيا مسترضعا

يغذوك واشل طله والوابل

كانت أيادي الدهر فيك كثيرة

لكن لياليه لديك قلائل

في حيث يقتنص الأسود ضواريا

لحظ تمرضه المهاة الخاذل

إذ لم يكن والليل يسحب ذيله

لسعاد غير يدي وشاح جائل

فكأننا غصنان يشكو منهما

برح الغرام إلى الرطيب الذابل

هيفاء إن خطرت فقد رامح

نجلاء إن نظرت فطرف نابل

وكأن فاها بعدما نشر الدجى

فرعا يلوح به الخضاب الناصل

صهباء تغشي الناظرين نضت بها

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ١٧