لكنهم كلفوا حرصا فلست ترى
مسترزقا وسوى الغايات يقنعه
والحرص في الرزق والأرزاق قد قسمت
بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه
عفوا ويمنعه من حيث يطمعه
أستودع الله في بغداد لي قمرا
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي ألا أفارقه
وللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله ثوب العذر منخرق
مني بفرقته لكن أرقعه
إني أوسع عذري في جنايته
بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا
شكر عليه فعنه الله ينزعه
اعتضت من وجه خلي بعد فرقته
كأسا يجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي ذقت البين قلت له
الذنب والله ذنبي لست أدفعه
هلا أقمت فكان الرشد أجمعه
لو أنني حين بان الرشد أتبعه
والله ما وقعت عيني على بلد
في سفرتي هذه إلا وأقطعه
يا من أقطع أيامي وأنفذها
حزنا عليه وليلي لست أهجعه
لا يطمئن لجنبي مضجع وكذا
لا يطمئن له مذ بنت مضجعه
ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني
به ولا أن بي الأيام تفجعه
حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد
عسراء تمنعني حظي وتمنعه
وكنت من ريب دهري جازعا فرقا
فلم أوق الذي قد كنت أجزعه
بالله يا منزل القصف الذي درست
آثاره وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا
أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله
وجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيع كما
عندي له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا
جرى على قلبه ذكري يصدعه
لأصبرن لدهر لا يمتعني
به ولا بي في حال يمتعه
علما بأن اصطباري معقب فرجا
فأضيق الأمر ما فكرت أوسعه
عل الليالي التي أضنت بفرقتنا
جسمي ستجمعني يوما وتجمعه
وإن تغل أحدا منا منيته
لا بد في عده الثاني سيتبعه
وإن يدم أبدا هذا الفراق لنا
فما الذي بقضاء الله نصنعه؟
محمد بن غانم الأهوازي
كان من العلماء البارعين، وكان أبوه من أغنياء الأهواز وأكابرها، أرسله إلى مصر في طلب العلم، فهجر وطنه وحضر إلى الأزهر الشريف، وكان أبوه يمده بالمال الكثير. وبعد خمس سنوات نعي له والده؛ فتوجه إلى الأهواز ليحصر تركته؛ فوجده قد مات معدما ولم يترك له لا مالا ولا عقارا؛ فانصدع قلبه وأصابه مرض ألزمه الفراش ستة أشهر، وما كاد يتعافى من مرضه حتى قوض رحاله يقصد بيت الله الحرام، ومن هناك يعود إلى مصر. وتصادف أن أحد معارف والده عزم على الحج في تلك السنة، فتوافقا على الرحيل معا، وكان هذا الرجل رث الثياب بشع المنظر، ولم يكن معه من المتاع غير جبة مرقعة، وبعض لوازم تافهة، وكان لمحمد بن غانم جبة جديدة من الصوف حسنة الشكل. فلما وصلا مكة مرض الرجل مرضا شديدا، فواساه محمد بن غانم وقام بتمريضه، غير أن الرجل لم تطل مدته؛ فوافاه أجله فقضى نحبه. ولما علم حاكم المدينة حضر ومعه شرذمة من الجند لحصر تركته والتحقق من موته، فقدم له محمد بن غانم متاع المتوفى، فقال له الحاكم وهو ينظر إلى جبته: ولمن هذه الجبة؟ فقال له محمد: إنها جبتي. فكذبه الحاكم وانتهره وأخذ منه الجبة بدعوى أنها من متاع المتوفى، فأقسم له بكل الأقسام إنها جبته ومن ماله، فلم يصدقه وأخذها منه غصبا، وأعطاه جبة الرجل القديمة. وبعد ذهاب الحاكم جلس محمد في القاعة وهو منقبض الصدر حزين النفس على جبته التي أخذت قهرا عنه، وقد كان عازما على بيعها بخمسة دنانير ينفقها على قوته في غربته فضاعت منه. وأخيرا علل نفسه وقال: لا أسف على ما فات. ثم أخذ الجبة ليبيعها ولو بنصف درهم، فلما رفعها بيده وجدها ثقيلة، ففك الرقع المرقوعة بها؛ فوجد بداخلها مادة صلبة، ففكها وأفرغها، فإذا بها محشوة بالدنانير الذهب؛ فانبسطت أسارير وجهه، وأخذ يفك الرقعات ويخرج منها الدنانير، حتى بلغ ما جمعه منها ألف دينار، ثم فتش فيها فوجد في جيبها صرة مملوءة بالمال، ففرح فرحا شديدا. ولم يمكث بالمدينة غير تلك الليلة، وفي الصباح تأهب إلى الرحيل، وسار يقطع الوديان على ناقة اشتراها، ولما أمسى عليه المساء قصد بعض القرى وترك ناقته عند أهل القرية، ودخل المسجد يصلي العشاء وينام تلك الليلة. وفي نحو منتصف الليل قام يزيل ضرورة، وترك النقود بصرتها عند متاعه، وعاد فوجد المتاع مبعثرا، فافتقد الصرة فلم يجدها؛ فضاع صوابه واعتراه ذهول شديد. وبعد أيام حصل عنده نوع من الجنون فهام على وجهه ممزق الثياب عاري الجسم، ثم وجد ميتا وفي جيب قميصه رقعة مكتوب فيها هذه الكلمات: