وله من تصانيفه العلمية ما تفتخر بها الأجيال، وتتحدث بنفاستها العصور، جزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء .
توفي رحمه الله فقيرا معدما سنة «450 هجرية».
محمد بن عبد الرزاق
وهو ابن رزق أبي بكر العدل العالم، شمس الدين بن محمد الحنبلي، كان من أعيان الشهود تحت الساعات عارضة البؤس، فأصبح في حالة ضنك شديد. «قيل» إنه سافر إلى مصر في شهادة فركب حمارا كان له خاصة، ووضع عليه جعبة فيها ما يحتاج إليه من مال وغيره، وبينما هو في الطريق خرج عليه جماعة من اللصوص فأخذوا منه الحمار بما عليه عنوة، وتركوه في عرض الطريق باكيا جائعا لا يعرف إلى أين يذهب، وبعد أيام وصل مصر شاكيا، وفي حالة من البؤس يرثى لها؛ فلم يحصل على مقصود؛ فخرج إلى دمشق من نفقة قليلة؛ وهناك انتظم حاله، وتعرف بجماعة من أهل الفضل، فاشترى فرسا. وفي ذات يوم خرج بها إلى النهر ليسقيها فغرقت منه، فجاء يسحبها فغمرته الأمواج فمات غريقا سنة «689 هجرية».
ومن محاسن شعره:
ولو أن إنسانا يبلغ لوعتي
ووجدي وأشجاني إلى ذلك الرشا
لأسكنته عيني ولم أرضها له
ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا
محمد بن إدريس
هو أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي، أحد الحفاظ الأثبات العارفين بعلل الحديث، سمع الكثير، وطاف الأقطار والأمصار، وروى عن خلق كثير من الأكابر والأعلام، وحدث عنه الربيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى، وهما أكبر منه. «قيل» إنه مشى في طلب الحديث «ألف فرسخ»، ولم يكن له شيء من المال ينفقه على نفسه في رحلاته، ومكث ثلاثة أيام لا يأكل شيئا، وله صبر على الجوع واحتمال الضنك.
ومن محاسن شعره:
سلام على بؤساء دهر قد اعتدى
وجر عليهم من مصائبه الردى
فعاشوا على خسف وماتوا على نوى
وتاهوا وما لاقوا على غرة هدى
ومما روي عنه:
أنه كان ذات يوم يجوب قفار الأرض من بلدة لأخرى، وصل إلى قرية صغيرة أمسى عليه الليل فيها، فصادفه أحد سكانها، ولما علم أنه غريب أضافه في منزله، وكان وهو بالطريق قد تبعه بعض الأشقياء طامعا في الحقيبة التي يحملها؛ ظنا منه أن بها أمواله.
وكان من حسن حظه أنه كان يلبس عباءة يعرفها الرجل، فلما انقضت السهرة بعد هجعة من الليل ذهب لينام، فوجد الرجل قد هيأ له فراشا وثيرا، فتمدد عليه ونسي عباءته في غرفة مجاورة؛ فتغطى بها صاحب البيت.
فدخل ذلك اللص، ولما وجد صاحب البيت ملتفا في العباءة ظنه هو فهجم عليه فقتله، وشعر أبناء الرجل بحصول الجريمة فانقضوا على القاتل وقبضوا عليه، ولما وقف ابن إدريس على هذا الاتفاق اغتم غما شديدا وقال: ليتني كنت قدمت فأستريح من هذه الحياة. وتوفي سنة «277 هجرية».
سيبويه
هو أبو بشر عمر بن عثمان بن قنبر البصري، الحجة في علم النحو والعلم، وإمام النحاة قاطبة، ويعتبر سيبويه من العلماء الأعلام، بل هو طود اللغة العربية، ولسانها الناطق، وقلبها الخفاق، علم من الأعلام الخفاقة بالعلوم والمعارف، سطعت أنوار عرفانه على الشرق أجمع، وبعض بلاد الغرب، وإن شئت فقل: إن ذكره سار مع الركبان، وضربت بمتانته الأمثال. وكان على هذا النبوغ العظيم، والشهرة الواسعة التي طبقت الآفاق، وصيته البعيد في العلم والأدب، ورسوخه في علم الاجتماع، بل هو أعلم علماء العصر، وأفضل فضلاء الدهر؛ أدهش الثقاة بعلمه. وشرح النحاة كتابه؛ فانغمروا في لجج بحره، وتاهوا في تيار علمه، وانبهروا من لآلئ جواهره.
كان رحمه الله فقيرا معدما. «قيل» إنه لما قدم بغداد ناظر الكسائي وأصحابه؛ ففاز عليهم وفاقهم، ثم سأل عمن يرغب من الملوك في النحو، فدلوه على طلحة بن طاهر؛ فشخص إلى خراسان عساه ينال شيئا من كرمه، فصادفه سوء طالعه بعد أن قطع القفار، واخترق الوهاد، وجاب الوديان، وكأنما أثر التعب على صحته، وأضناه كثرة السير فشعر بحمى عنيفة.