تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للإحسان طرق متعددة، تختلف باختلاف نواحيها، ومهما كانت نتيجة هذا الاختلاف، فقد تؤدي هذه الطرق إلى غاية واحدة؛ هي تخفيف ويلات الإنسانية المعذبة، وعلى الخصوص طائفة البؤساء، بتجفيف دموع هؤلاء الذين نكبوا في الحياة. ويجب على أهل الخير والإحسان أن يجبروا هذه القلوب المصدوعة التي ضعضعها الزمن.

ولقد وجدت من أبناء مصر، وفي كل ناحية من نواحيها منتهى العناية، ومدارج البر والإحسان في نواح كثيرة، وسبل متعددة. وإن سماء مصر تظل جيشا جرارا، كلهم بل جلهم ليس لهم من مسترزق يتعيشون منه غير إحسان المصريين الكرماء.

ولو كان للإحسان أصل في عالم الوجود؛ فلا شك أن كرماء مصر هم ذلك الأصل ومصدره. •••

وقال من مذكرة أخرى: إن الأمة المصرية الكريمة من خير الأمم، بل الأمة الوحيدة التي ضربت في الحضارة بقسط وافر، وبينها وبين الأمم الأخرى فرق عظيم من حيث السخاء ومكارم الأخلاق وإكرام النزيل، وأين هذه الأمة العظيمة المتمدينة الراقية، التي لا يعلم عصر تمدينها وهو يرجع إلى آلاف الآلاف من السنين، من أهل بغداد على شحهم وبخلهم وحاجتهم إلى العلم بالكرم والجود؟! •••

وفي هذا الوقت القصير الذي مكث فيه بمصر استقامت أحواله؛ فصار كأنه ملك أو أمير، ونسي بل تناسى أيام بؤسه وشقائه.

وكان وديع النفس هادئ الطباع، دمث الأخلاق، قوي الذاكرة، عالما متبحرا في العلم، وكان له في القاهرة مجلس علم حافل لا يجتمع فيه غير العلماء والوجهاء وأعيان الدولة.

وبالجملة فقد كان القاضي عبد الوهاب محترما مهيبا. «ومما روي عنه»: أنه في ذات يوم أمر طاهيه أن يصنع له صنفا من طعام كانت نفسه تشتهيه، فلما جاء الطاهي به أخذ يأكل فوق طاقته (أي أنه أكثر من تناول هذا الطعام) فكانت شهوة نفسه قاضية على حياته، ولم يتمتع بملذاته، وقال وهو يجود بآخر نفسه: «لا إله إلا الله! لما جئنا نعيش متنا.»

وكانت وفاته بمصر سنة «450 هجرية». ا.ه.

ابن الخياط

هو أبو عبد الله محمد الثعلبي المعروف بابن الخياط، الشاعر المفطور، والمتكلم المشهور، رب الأدب، وأبلغ من كتب، حجة الشعراء، وإمام الخطباء، طاف البلاد، وقطع الوهاد، حتى دخل بلاد العجم، وامتدح الملوك والأمراء، وجالس العلماء والعظماء، وكان مع نباهته وبلاغته بائسا فقيرا معدما. «قيل» إنه لما دخل حلب كان فقير الحال لا يقدر على شيء، وليس معه ما ينفقه؛ فكتب رقعة إلى ابن حبوس الشاعر المشهور يقول فيها:

لم يبق عندي ما يباع بحبة

وكفاك مني منظري عن مخبري

إلا بقية ماء وجه صنتها

من أن تباع وأين أين المشتري؟

وكفاه فخرا وتعريفا بالفضل قصيدته البائية التي سارت بها الركبان، وهي:

خذا من صبا نجد أمانا لقلبه

فقد كاد رياها يطير بلبه

وإياكما ذاك النسيم فإنه

متى هب كان الوجد أيسر خطبه

خليلي لو أحببتما لعلمتما

محل الهوى من مغرم القلب صبه

تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى

يتوق ومن يعلق به الحب يصبه

غرام على يأس الهوى ورجائه

وشوق على بعد المزار وقربه

وفي الركب مطوي الضلوع على جوى

متى يدعه داعي الغرام يلبه

إذا خطرت من جانب الرمل نفحة

تناول منها داءه دون صحبه

ومحتجب بين الأسنة معرض

وفي القلب من إعراضه مثل حجبه

أغار إذا آنست في الحي أنة

حذارا عليه أن تكون لحبه

وكانت وفاته رحمة الله عليه سنة «517 هجرية».

أبو الطيب الطبري

هو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر شيخ الشافعية وإمام عصره، صنف في الأصول والجدل وغير ذلك، وكان له ولأخيه عمامة وقميص إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت. وقد قال في ذلك القاضي أبو الطيب:

قوم إذا لبسوا ثياب جمالهم

لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل

بلغ مائتين وستين سنة وهو صحيح العقل والفهم والأعضاء، يفتي ويقضي ويشتغل، وليس به إلا علة الفقر.

وكان رحمه الله من نوابغ العلماء، بل هو أول من أفتى الفتاوى الشافعية، وصادقه عليها أشهر علماء ذلك العصر، وكثيرا ما قضى بالحق فكان على الخصوم الإذعان. وعلى بؤسه وسوء حاله كان مغتبطا بروحانيته، يسبح في بحار العلوم لاستخراج الدرر الوهاجة ليبهر بها الناس. وكان لا يسأل الناس فضل نوالهم، ويتباعد عن قصور الأمراء ومحامل الأغنياء؛ لا تكرما منه، بل حرصا على سمعته. وبالجملة فقد كان يمثل في تقشفه وورعه زهد الخلفاء الراشدين، والأولياء والصالحين، كثير العبادة، حسن الاعتقاد، وديع النفس، لا تأخذه في الحق لومة لائم.

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ١٢