فلما انتهى إلى ساوة مرض مرضا شديدا، ومات «سنة 180 هجرية» محروما بائسا فقيرا رحمة الله عليه.
ابن النحاس
هو بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الإمام العلامة، كان من أذكياء بني آدم، وله خبرة بالمنطق، وإقليدس مشهور بالدين والصدق مع إطراء التكلف والتجمل وصغر العمامة، فيه ظرف النحاة وانبساطهم، وكان يحدث في تعليمه وخطابه بلغة عامة الحلسين، ولا يتهوج في أقواله، ولم يتزوج لضيق حاله. توفي فقيرا بائسا سنة «618 هجرية». ومن محاسن شعره:
كحل بعينك أم ضرب من الكحل
ورد بخديك أم صبغ من الخجل
قضيب بان إذا ما ماس ميله
دعص من الرمل أم ضرب من الرمل
يفتر عن سمط در في عقيق فم
عذب المراشف ممنوع من القبل
أقسمت ما روضة بالنيرين إذا
سحت عليها شئون العارض الهطل
شقت شقائقها أيدي الربيع وقد
ماست حدائقها كالشارب الثمل
يوما بأحسن من ورد الخدود على
بان القدود ولا من نرجس المقل
وقائل وشموس الراح قد أفلت
فينا وشمس مدير الراح لم تحل
هذا هو الحب لولا كثرة الرقبا
ولذة العيش لولا سرعة الأجل
وله ديوان شعر جيد.
ابن مالك
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي الملقب بجمال الدين، صاحب التصانيف المبسوطة والمختصرة، والنظم والنثر، شيخ النحاة في عصره، وإمام اللغة في وقته، كان رحمه الله كثير الاشتغال بالعلم؛ حتى إنه حفظ في اليوم الذي مات فيه خمس شواهد، وكان على تبحره في العلوم فقيرا لا يمتلك شيئا. فمن محاسن نثره: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك أنت الفعال لما تريد، لقد أسبغت نعمتك على قوم وأوصدت باب رزقك في وجه آخرين، لا اعتراض في حكمك، ولا تبديل لكلماتك. اللهم لقد أصبحت جميع مشاغل الحياة طالحة فاسدة، وملاهيها قاحلة عقيمة، وخيرات هذا الوجود لا معنى لها ولا طعم للذتها؛ لأني محروم منها، وزينة الحياة الدنيا نازحة عني نافرة مني، حتى صارت في نظري كالعدم، بل هي والعدم سواء ... ولولا الأمل الغريزي في الطبائع الإنسانية ما عرفت لذة العلم، ولا أدركت سبيله، ولا بلغت المقصود منه. ولكني بعدما نهجت طريقه تاقت نفسي لحب الرفعة؛ فخسرت الراحتين معا، وكأن أشعة هذا الأمل انعكست على روح غير روحي؛ فبطل من مخيلتي حب العمل، وضاعت مني عقيدة الرسوخ، وذهبت أغراض الحياة، وأصبحت على كاهلي حملا ثقيلا لا يطاق.
ولقد تحملت غضاضة العيش، وتجرعت مرارة العمر، وما كان لي من غرض في هذه الدنيا إلا أن أكون عالما، وأنهج على منهاج الدين الحنيف؛ أبتغي الدار الآخرة.
اللهم ارزقني نعمة الصبر، واكتبني مع الشاهدين. توفي رحمه الله «سنة 672 هجرية».
ابن الصباغ
هو أبو عبد الله بن عطية الشهير بابن الصباغ، افتقر بعد غناه حتى بات لا يجد قوت ليلة، فشكا حاله إلى بعض إخوانه، فأشاروا عليه بالاغتراب عن وطنه، فتخوف من الرحيل وشعر بهول الغربة، وتمثل بقول الشاعر:
قالوا اغترب عن بلاد كنت تألفها
إن ضاق رزق تجد في الأرض مقترحا
قلت انظروا الريق في الأفواه مختزنا
عذبا فإن بان عنها صار مطرحا
فعارضه في ذلك بعض نصحائه، وحتم عليه بوجوب السفر، وحرضه بعضهم بقوله:
عود ركابك كل يوم منزلا
وتنقلن كي لا تمل وتضجرا
فالماء يعذب ما جرى وتلاطمت
أمواجه فإذا أقام تغيرا
فأطاع وهجر وطنه، ورمته المقادير بأرض العراق.
فصار في نكد؛ يكافح النوب، تارة يشبع وتارة يجوع، وهو لا يعرف حيلة يتوصل بها إلى جلب الرزق، اللهم إلا قوت يوم بعد يومين، ولم يتمكن من شراء كساء يستر جسمه حتى صار في حالة يرثى لها من الفقر المدقع والبؤس الشديد، يمر بين الناس ممزق الثياب حافي القدمين مدة سبع سنوات. ففي سنة «945 هجرية» اتصل بخدمة الأمير محمد الطرابلسي؛ فرق له وأنعم عليه، ورتب له راتبا يتقاضاه ويتعيش منه، ولما توسم فيه النجابة والذكاء والتقوى ألحقه بخاصته، ولم يدم عليه هذا الحال طويلا حتى عزم الأمير على الحج إلى بيت الله الحرام، وأمر بشد الرحال، وأخذ معه أبا عبد الله. ولما أصبحوا على عدة أميال من المدينة عسكرت القافلة تلك الليلة هناك، وفي الصباح قام أبو عبد الله مبكرا ليوقظ مولاه لصلاة الفجر، ويتأهبوا للرحيل مع القافلة، فوجده قتيلا على فراشه؛ فارتاع روعة شديدة، وحصل عنده رعب شديد. وفيما هو في ذهوله حضر بعض الخدم فأبصر الأمير مجندلا، وأبو عبد الله في ذهوله، فألقى عليه جريمة القتل، وصاح بالنجدة ؛ فحضر الناس وأوسعوا ابن الصباغ ضربا وقدموه إلى رئيس القافلة؛ فأمرهم باعتقاله بعد أن ضربه ألف سوط، وصرح بدفن جثة الأمير. ولما دخلوا المدينة سلموه للوالي ليقتص منه ويحاكمه، ولما لم يجد الوالي ما يثبت التهمة عليه أمر بإيداعه السجن. ثم تنوسي أمره فاستمر في سجنه عاما كاملا. ثم تغيرت الأحوال، وعزل الوالي؛ فأطلقوا سراحه، فخرج من السجن خالي الوفاض، فدار في أزقة المدينة يوما لم يتناول فيه طعاما، وأمسى عليه الليل فصار يبحث عن مأوى ينام فيه. وبينما هو يجول حول البيوت وجد امرأة تبكي على باب دارها، فسألها عن سبب بكائها فأخبرته أن زوجها يحتضر، وليس عندها أحد؛ فتعهد بمواساته معها، وأقام ليلته في خدمة المريض. وفي الصباح قضى الرجل نحبه، فجهزه مع المرأة ودفناه. ولما عادا من المقبرة إلى البيت؛ أكرمت المرأة وفادته، ورغبت في وجوده معها؛ فأطاع ومكث عندها إلى أن انتهت مدة العدة أربع أشهر وعشرة أيام، فوجدت فيه مع طول المدة التي عاشرته فيها خصالا كريمة تدل على نبله، وشرف محتده؛ فعرضت نفسها عليه وتزوجت به. وكانت المرأة ذات مال كثير وجمال وأدب، فقدمت له ثروتها ليستثمرها، وكلفته أن يمتهن حرفة التجارة ويطلق العلم؛ فأطاع. وتاجر فربح ربحا عظيما، وصار ذا ثروة وافرة، حتى إن أقرانه اعتبروه من مشاهير تجار عصره. وظن أن الدنيا قد ابتسمت له، وزالت أوقات نحسه، وأيقن بالسعادة بعد البؤس. ولكنه من سوء طالعه اشتاق إلى وطنه، وطلبت منه زوجته أن يعود بها إلى البلاد؛ فجمع أمواله وعبيده وسار بقافلته يقصد الأوطان. وبينما هو في طريق الصحراء خرج عليه كمين لصوص فتمكنوا من نهب القافلة، وقتل العبيد والرجال، وفي الأثناء أصيب أبو عبد الله بطعنة رمح في جنبه ألقته على الأرض بين حي وميت، فتركه اللصوص على حالته بعد أن شتتوا العبيد والرجال، وأخذوا المرأة والأموال، وفروا هاربين.