وكان له وهو على هذه الحالة مجلس علم لا يحضره إلا العلماء، وقد انتفع بعلمه وأدبه خلق كثير.
وهو على حالة من الضرورة وشدة الفاقة.
ومن محاسن شعره :
من ظن أن الغنى بالمال يجمعه
فاعلم بأن غناه فقره أبدا
فاستغن بالعلم والتقوى وكن رجلا
لا ترتج غير رزاق الورى أحدا
وقال ابن سلام: كان لأبي الحسن بن بوعت شهرة كبيرة في جميع الممالك الإسلامية، وكان الناس ينظرون إليه نظرة احترام وإعجاب عظيمين، وعلى شدة تقشفه وورعه وانهماكه في طلب العلم والاستزادة منه، كان على جانب عظيم من الذكاء النادر وسرعة الخاطر والنشاط الغريب، وأبدى في الإفتاء في بعض المسائل المعقدة ما يشهد له بالفخر والإعجاب، وكان على هذا النبوغ العظيم، والمواهب السامية، أفقر خلق الله، دام يعاني أهوال البؤس وشقاءه طول حياته.
وقال الإمام الوهابي: ما رأيت مشهدا حافلا أروع وأحشم وأعظم وأكثر جموعا من مشهد ابن بوعت؛ فقد كان في جنازته جموع لا يعلم أحد كيف جاءوا، ولا كيف كانوا، ولا ما هو عددهم بالضبط، ولقد خيل لي أن هذه الجموع كان أولها في القرافة وآخرها عند المسجد. «وكانت وفاته رحمة الله عليه بمصر سنة 416 هجرية.»
أبو الصلت
وهو أمية بن عبد العزيز الأندلسي، كان أديبا ماهرا في علوم الأوائل، عاش فقير الحال معدما محروما من الغنى طول حياته، وذلك بدليل قوله:
وقائلة ما بال مثلك خاملا
أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز؟
فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني
لما لم يحوزوه من الفضل حائز «ومن محاسن نثره يصف الحياة»: الحياة كما يقولون سعادة دائمة، وكل جمال مشتق من جمالها الرائع، وجمال الطبيعة أيضا من بعض جمالها العبقري، وكثيرا ما خدعت الناس بسرابها الكاذب، ونجد فيها السعادة شقاء، أضعنا الوقت في تحصيل العلوم، وفي وقت أخلصنا فيه قلوبنا من مشاغل الحياة، وضحينا على مذبحها المقدس عواطفنا الشريفة؛ ولم نفز بطائل، ولم نتمتع بهناء النفس الذي تعللنا به، وكأننا ونحن في دائرة الحرمان أصبحنا - والدنيا بملاهيها - لا قيمة لها عندنا، وما بأساء الحياة وشظف العيش الذي نحن فيه إلا كسجن، ولا خلاص لنا منه إلا بالموت، فنستريح من مشاغل الحياة، ونطمئن بالراحة في دار الخلود. توفي رحمه الله سنة «538 هجرية». «صفاته»: كان متوسط الجسم، متوسط القامة، حسن الهيئة، محترما من جميع معارفه، وكان على جانب عظيم من الذكاء والفهم وسلامة الذوق. ولقد خدم العلم والأدب خدمات جليلة تشهد له بالفضل والنبوغ، وكثيرا ما سمع بأذنه عبارات المديح والإطراء من أفواه طوائف عديدة من العلماء والشعراء.
القاضي عبد الوهاب
هو القاضي العادل عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي، كان رحمه الله من الأفاضل المشهورين، والعلماء المعدودين، بل هو خيرة الأدباء من الناس، ولسان أصحاب القياس، نبت به بغداد، على حالة البلاد، فخرج منها طالبا مصر فشيعه من أكابرها خلق كثير، فقال لهم لما ودعوه: والله لو وجدت بين ظهرانيكم كل غداة وعشية رغيفين من خبز ما فارقتكم. فلم يكن فيهم من يتكفل له بذلك فأنشد:
بغداد دار لأهل المال طيبة
وللمفاليس دار الضنك والضيق
أقمت فيها مضاعا بين ساكنها
كأنني مصحف في بيت زنديق
ولما شد رحاله أنشد:
سلام على بغداد في كل موطن
وحق لها مني سلام مضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها
وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت علي بأسرها
ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخل كنت أرجو دنوه
وأخلاقه تنأى به وتخالف
فلما وصل مصر تلقاه أكابرها بالبشر والكرامة، وأنزلوه أحسن بيوتها، وأهدوه كثيرا من الهدايا الفاخرة والعطايا الوافرة والأرزاق الجزيلة؛ فحمل لواء العز فيها، وملأ أرضها وسماءها بمعارفه ولطائفه؛ فتناهت إليه الغرائب، وانهالت عليه الرغائب، ولم يطل عليه هذا الحال غير بضع شهور. وحينئذ ظهرت مواهبه الفائقة ونبوغه العلمي، وقال وهو في مصر في بعض مذكراته يصف عظمة أبناء وادي النيل: