239
ومن أبرزها كتالونيا؛ فقد قدرت مداخيل خزائن بني مرين على خلفية المتاجرة مع كتالونيا خلال فترة من الفترات ما يقدر ب 60000 دينار سنويا،
240
كل هذا يعطي صورة شبه واضحة للسياسة التي اتبعتها مدن الغرب الأوروبي تجاه التبادل التجاري مع البلدان الإسلامية.
فسعت تلك المدن إلى استغلال كل الفرص التي أتيحت لها لتوطيد تجارتها وترسيخها في موانئ المغرب الإسلامي لما امتلكته - بيزا وجنوة - من المقومات التي ضمنت لها التفوق على الصعيدين البحري والتجاري،
241
فقد جنت ثمار الصراع الدائر بين الموحدين وإسبانيا المسيحية، وعن طريقه زادت من امتيازاتهما التجارية في كافة الموانئ؛ مما ترتب عليه تخفيض الضرائب المفروضة عليها، واستطاعت توفير أرباح تجارية طائلة.
242
ونتيجة لاستمرار تلك السياسية التجارية كثف النشاط التجاري في العديد من موانئ الغرب الإسلامي - خاصة ميناء تونس وجربة وبجاية - التي شهدت حالة من الرخاء الاقتصادي والتجاري استمرت خلال الفترة من القرن السادس إلى نهاية القرن العاشر الهجري/الثالث عشر حتى السادس عشر الميلادي، فساعد على ذلك السلع التي كانت مطلبا دائما للرحلات التجارية القادمة من شتى البلدان سواء من حبوب أو منسوجات،
243
وما تؤكده قيمة الضرائب التي تحصلت عليها السلطة الحفصية من ميناء تونس التي قدرت ب 150000 دينار سنويا.
244 (ب) أبرز الموانئ التجارية للغرب الأوروبي
تميزت الموانئ المسيحية عن نظيرتها الإسلامية؛ فنطاقها التجاري كان أوسع واشمل، وامتدت إلى مدن المغرب والمشرق الإسلامي ووصلت حتى الهند والأندلس، بالإضافة إلى أن منتجاتها غزت الأسواق المسيحية عامة.
فمن بين تلك الموانئ المهمة موانئ الجمهوريات الإيطالية (جنوة، بيزا، البندقية، أمالفي)، فكان لوضعها الجغرافي دور محوري في تجارة البحر المتوسط،
245
فمثلت محطة لإعادة توزيع البضائع سواء القادمة من أوروبا أو من المشرق إلى بلدان البحر المتوسط.
246
واعتبر ميناء جنوة من أعظم الموانئ في البحر المتوسط نظرا لحجم التجارة المتداولة من خلاله، ولأن تجاره جابوا جميع البلاد والأماكن وجلبوا شتى أنواع التجارات، وقد ساعد على ذلك ما امتلكوه من قوة بحرية ضخمة أهلتهم لذلك، هذا بخلاف شعبها الذي كان يعتبر من أمهر صناع السفن في منطقة البحر المتوسط؛ ولهذا تعتبر سفنها الأميز والأفضل،
247
لذلك شهد ميناء جنوة الكثير من التوسعات لاستقبال أكبر عدد من السفن والمراكب، كما حدث في 700ه/1300م، 729ه/1328م، 866ه/1461م،
248
في الوقت الذي غيرت فيه جنوة من سياستها الاقتصادية والسياسية خاصة مع بداية القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.
249
أضيف إلى ذلك ميناء بيزا التجاري، فكان من أبرز الموانئ التجارية في البحر المتوسط لما تمتع به من مكانة؛ نتيجة قوة أسطوله البحري الذي جاب أرجاء البحر المتوسط تجاريا وحربيا،
250
فكانت بيزا مركزا بحريا لنقل البضائع والمنتجات من وإلى منطقة البحر المتوسط بشقيه الغربي والشرقي،
251
فاشتهرت بالعديد من الصناعات والتجارات ومن أكثرها وأشهرها تجارة المنسوجات والأقمشة والصوف وإعادة توزيعها، حيث ساهمت في زيادة النمو التجاري لبيزا.
252
ولكن مع بدايات القرن 8ه/14م بدأت بيزا تفقد أهميتها التجارية بعد أن كانت من أهم المحطات التجارية في غرب البحر المتوسط خاصة خلال القرنين السادس والسابع الهجريين/الثاني والثالث عشر الميلاديين؛ فلم تعد قادرة على أن تلبي الاحتياجات اللازمة لحركة الرواج التجاري من مسايرة التقدم والتطور البحري ولتفككها السياسي والنزاعات الداخلية، مما حال دون المحافظة على مكانتها التجارية الرائدة في شبكة التجارة البحرية في البحر المتوسط.
253
واعتبرت موانئ جزر البليار (ميورقة، منورقة، يابسة) من المحطات التجارية في البحر المتوسط، فميورقة ملتقى تجاري كبير بين موانئ البحر المتوسط الغربي سواء من جنوب إيطاليا أو برشلونة وأيضا الموانئ الفرنسية، فاعتبرت نقطة البداية للعديد من الرحلات التجارية الكتالونية والإيطالية والفرنسية إلى الشمال الإفريقي، واعتبرت جزر البليار وسيلة بحرية آمنة للطريق البحري الذي ربط الموانئ الإيطالية بإسبانيا.