228
وفي القرن 9ه/15م وبالأخص عام 866ه/1461م، يذكر ابن عبد الظاهر
229
أن سفينة أقلعت من الإسكندرية في طريقها إلى تونس محملة بالكتان «في يوم الجمعة حادي عشرة ركبت البحر الملح من مينا ثغر الإسكندرية بشواني البنادقة فأقلعوا، وكان معهم جماعة من تجار المسلمين بأصناف البضائع وأكثرها الكتان، وساروا متوجهين إلى جهة تونس المغرب.» (2-3) تجارة النسيج مع بلدان الغرب الأوروبي (أ) الأهمية النسبية لتجارة الغرب الإسلامي مع بلدان الغرب الأوروبي
ظلت العلاقات التجارية مفعلة وسارية - رغم فتورها في بعض الأوقات - بين بلدان الغرب الإسلامي والغرب الأوروبي عن طريق عقد المعاهدات والاتفاقيات التجارية بين السلطات لتوفير الظروف المناسبة لاستمرار تلك العلاقات والعمل على تنشيطها، وهو ما أظهرته من أهمية التجارة لأغلب مجتمعات البحر المتوسط،
230
ما قد ساعد استقرار الأسعار واتزانها في بلدان الغرب الإسلامي وزيادة فرص التعامل التجاري بين تجار الغرب الأوروبي ومدن الغرب الإسلامي وبخاصة خلال القرن 7-8ه/13-14م.
231
وتعددت أوجه التبادل التجاري بين بلدان الغرب الإسلامي والغرب الأوروبي؛ ما يعطي دليلا على وجود حراك تجاري مزدهر للعديد من السلع كالتوابل والحرير والقطن، هذا بالإضافة للحضور المنتظم لسفن الغرب الأوروبي إلى موانئ الغرب الإسلامي؛ فكثيرا ما كانت تحط أشرعتها على موانئه بشكل مستمر طوال العام، بعد أن سيطرت التجارة البحرية على جل المبادلات التجارية في ذلك الوقت عبر البحر المتوسط، بما في ذلك مدن البحر المتوسط في المشرق، مصر وقبرص، اللتين كانتا محطتين هامتين وسوقا رئيسيا للمنتجات من الجلود والصوف، والقمح، والشمع، والعاج والمرجان؛ القادمة من الهند والجزيرة العربية، لبلدان الغرب الإسلامي ولمدن إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ولبقية مدن الغرب الأوروبي.
232
واتسمت الحركة التجارية في الغرب الإسلامي في بدايتها بنوع من البطء التجاري لم يساير القوى التجارية الموجودة آنذاك؛ مما دفعها لأن تلعب دور الوسيط التجاري في العديد من المبادلات التجارية بين البلدان الإفريقية والغرب الأوروبي،
233
خاصة أن حكومات الغرب الإسلامي لم تحبذ التعامل في البداية مع كيانات الغرب الأوروبي التجارية، إلا مع من امتلك الخبرة الكافية في مجال التجارة وركوب البحر الذي وجد في المدن الإيطالية بصفة خاصة، كما ساهم تطور الطرق البحرية وعمليات الشحن التجارية في الغرب الأوروبي في أواخر القرن 6ه/12م في النمو السريع لبعض الموانئ التجارية وعلى نشاطها التجاري والبحري؛ فأدى في النهاية إلى سيطرة الغرب الأوروبي على الطرق والمواصلات والتجارة البحرية في البحر المتوسط وحصوله على العديد من الامتيازات التجارية المهمة.
234
كما ازدهرت حركة التجارة في فترات توقف الحروب الصليبية،
235
وأصبحت الموانئ المغربية تمثل أسواقا بديلة للتجار المسيحيين عن تلك الموانئ الموجودة في المشرق؛ نتيجة لكثرة الصعوبات والمعوقات التي حالت دون ترددهم عليها بسبب الحروب الدائرة والموقف المشحون تجاهها.
236
فكان لعامل الأمن والسلام الداخلي والخارجي - في بعض الأوقات - أثره في نشر الأمن والطمأنينة في ربوع البلاد وتوفير الحماية للطرق والمسالك البرية والبحرية ومراقبة الموانئ والثغور البحرية؛ ما أدى إلى الرواج التجاري مع الموانئ المسيحية وعلى رأسها بيزا وجنوة، التي أبرمت معها العديد من المعاهدات التجارية؛ كمعاهدة عام 552ه/1157م مع بيزا، التي اعتبرت من أقدم المعاهدات التجارية والبحرية، ومعاهدة عام 556ه/1160م،
237
بالإضافة إلى ما حصلت عليه جنوة من امتيازات تجارية عديدة نتيجة تلك العقود والاتفاقيات،
238
وغيرها من المدن والبلدان المسيحية،