196 (ج) البلدان المصرية
أما بالنسبة لمصر فهناك علاقات تجار رصينة منذ زمن طويل، تركزت على المواد الخام النسيجية من كتان وحرير، بالإضافة إلى المنسوجات الأخرى، فوجد هذا الربط التجاري عن طريق موانئ الغرب الإسلامي والموانئ المصرية وبخاصة الإسكندرية،
197
كما أثرت قوافل الحجاج المغاربة في العمليات التجارية بين الغرب الإسلامي والمشرق الإسلامي، التي حملت العديد من السلع والبضائع في طريقها لبلاد الحجاز ومصر، وعادت بصنوف من السلع وخاصة النسيجية إلى الغرب الإسلامي.
198
كما كان الحج فرصة للالتقاء بين المصريين والمغاربة، حيث يتوافد المغاربة إلى القاهرة ويستقرون فيها فترة من الزمن لانتظار ركب الحج المصري، وكانت هذه المدة كفيلة بالتأثير والتأثر بين الجانبين؛
199
مما أدى إلى توطد العلاقات المصرية المرينية، خاصة في المجالات التجارية؛ فلم يقتصر دور قوافل الحج على دعم العلاقات الدينية والسياسية، ولكن امتدت إلى النواحي الاقتصادية؛ لأن مصر تقع في طريق قوافل الحج المسافرة لتأدية الفريضة،
200
وقوافل الحج في عودتها تحمل منتجات هذه البلاد إلى الأسواق الغرب إسلامية، كما كانت وسيلة مضمونة لتصدير السلع المغربية إلى مصر وبلاد المشرق في مواعيد محددة من كل عام، يضاف إلى ذلك ما أحدثته هذه القوافل من تنشيط للصناعات المغربية المختلفة التي حملتها هذه القوافل كهدايا من البلاط المريني لمصر والحجاز.
201
وعرفت هذه الرحلات لدى المغاربة باسم الرحلة الحجازية، وعليها هذه الرحلات المرور بمصر، وكانت الإسكندرية
202
هي أولى المحطات الكبرى التي تحط بها قوافل الحجاج المغاربة القادمين عن طريق البحر أو الصحراء، وينتقلون منها إلى القاهرة؛ بوصفها عاصمة الديار المصرية، وكونها مدينة تحط فيها قوافل الحج التي تصحبها قوافل التجارة.
لذلك كانت المراكب المغربية كثيرة الحط والإقلاع على الموانئ المصرية محملة بالكثير من أنواع السلع والفاكهة،
203
كما يذكر ابن الصباح:
204 «دخلت مدينة تونس وقعدت فيها ثلاثين يوما في أيام الفواكه وركبت منها إلى الإسكندرية في مركب من ثلاثة أظهر، والممشى كنا فيه ألف نفس بين حجاج وتجار وبحريين وعبيد السودان وهم شر التجار ... إلى الإسكندرية.» يأتي في مقدمة تلك المنسوجات القماش الأبيض المصنوع في مدينة الإسكندرية،
205
بالإضافة لجلب المنسوجات، وخاصة ثياب البوقلمون أو السلاقطون التي يتغير لونها بتغير ساعات النهار؛ فهي نوع من الحرير مطرز بخيوط من الذهب، فصدرت من مصر من جزيرة تنيس،
206
وهو ما أشارت إليه وثائق الجنيزة، وما نوه إليه التاجر موسى وإسحاق ولدا برهون الطهارتى في القيروان في خطابه عام 406ه/1015م، إلى إخوة توستاري في الفسطاط، الذين أثنوا على ثياب السلاقطون التي وصلت إليهم؛ فكانت من أفضل وأجمل أنواع الحرير المفضلة بألوانها الذهبية والبراقة، على حد قولهم.
207
وجلبت من دمياط بعض المنسوجات من عمائم الشرب المذهبية المنقوشة، فكانت تلاقي رواجا تجاريا في الغرب الإسلامي لأنها غير موجودة في غيرها من البلاد بنفس الجودة والدقة «منها تجلب إلى المشرق والمغرب.»
208
في حين يؤكد العمري:
209 «أن لباس أهل إفريقية من الجوخ ومن الثياب الصوفية والأكسية ومن ثياب القطن؛ يعتبر نادرا وشاذا، خاصة القادم عن طريق الإسكندرية.»
واستورد مسلمو الغرب الإسلامي - خاصة في الأندلس - الصوف الخام؛ لأن الاقتصاد الأندلسي لم يركز على إنتاج الصوف، بل اعتمد بشكل جزئي على استيراده، وما تشير له رسائل الجنيزة على أن الصوف شحن من مصر إلى الأندلس كما في رسالة مؤرخة في القرن 5ه/11م، بأن تاجرا نقل كمية من الصوف تزن خمسمائة رطل وثمنها ثلاثون دينارا، وكان ينوي إرسالها من الإسكندرية إلى الأندلس، لكن شريكه في الأندلس نصحه بألا يرسل شيئا؛ لأن السوق يصيبه بعض الركود،