33 «وفي هذا الجبل من الغنم والبقر الشيء الكثير الذي يتجهز به الجلابون إلى سائر البلاد.»
وعن الحرير فقد اشتهرت عدة مدن وبلدان غرب إسلامية بإنتاجه، كالحرير القابسي والسوسي بالإضافة إلى الحرير الأندلسي، والخز، والحرير السيراكوزي الصقلي؛ فالحرير القابسي كان من بين المنتجات التي صدرت للعديد من البلدان إبان القرن 5ه/11م، فقد ذكر التاجر بارهون بن موسى التاهرتي الحرير القابسي في خطاب مؤرخ عام 444ه/1052م، وذكر التاجر سلامة بن موسى في عام 454ه/1062م يشتكي من قلة الكميات المتوافرة منه.
34
وعد حرير اللاسين
Lasin
أرخص أنواع الحرير وهو نوع متدني الجودة ينتج في بعض مدن المغرب وصقلية، وقد أشير إليه في وثائق الجنيزة، ففي رسالة أرسلها التاجر نسيم بن خلفون ذكر أن سعره لا يتعدى درهما للرطل الواحد، بالإضافة لأنواع أخرى من الحرير، فعلى سبيل المثال طلب التاجر نيهوراي بن نسيم من التاجر يوشا بن إسماعيل المخموري أن يفحص ويراجع قافلة من الحرير قادمة إليه من الإسكندرية تحمل أنواعا مختلفة من الحرير كالحرير «المفتول، المنجود، المصلب، والحرير التقاط» وغيرها، ولعل هذه هي صفات حريرية وليست أنواعا.
35
وخرجت شحنات الحرير من المدن الأندلسية إلى أسواق البلدان الأخرى، واعتبر واحدا من المنتجات الأساسية في التجارة بين الأندلس وبين مصر، والشاهد على ذلك أحد حسابات التاجر نيهوراي بن نسيم لعام 438ه/1046م، التى يستشهد منها بوجود دخل مالي وأرباح نتيجة المتاجرة بالحرير الأندلسى،
36
كما ذكر ابن حوقل
37
أن «بالأندلس غير طراز يرد إلى مصر ومتاعه، وربما حمل منه شيء إلى أقاصي خراسان وغيرها.» ويقول
38
أيضا: «فأما أرديتهم المعمولة ببجانة فتحمل إلى مصر ومكة واليمن وغيرها.» ويشير ابن الفقيه
39
إلى أن الخز والوبر من دبر السمور كانت من الصادرات الأندلسية المهمة.
واستمر نقل الحرير الأندلسي من غرناطة في عصر بني نصر إلى العديد من البلدان، ففي عام 750ه/1350م شحنت كمية من الحرير الغرناطي إلى ميناء بروجس بأوروبا،
40
كما أرسلت شحنات الحرير إلى ميورقة، فيقول الزهري
41
عن ذلك: «ولا يعرفون الحرير ولا ثمرته إلا ما يجلب إليهم من بلاد الأندلس والشام.»
واعتبرت صقلية أحد المراكز المهمة في الحرير؛ فكان من أكثر الصناعات والتجارات المتداولة بها،
42
فغادرت شحنات الحرير الصقلي متجهة نحو مدن الشرق خاصة من الموانئ الجنوبية لصقلية في طريقها للإسكندرية ومنها إلى الفسطاط، واختلفت نوعياته ما بين حرير خام ومغزول أو منسوج،
43
فهناك دلائل أولية على وجود قوافل تجارية كبيرة من الحرير متجهة من صقلية إلى مصر، وهذا يظهر من خلال خطاب التاجر موسى بن يحيى المجانى إلى التاجر بنيامين بن يوسف عام 416ه/1025م، وكذلك في خطاب التاجر صامويل الدانى من باليرم، الذي كتب في ذلك التاريخ خطابا إلى أبي إسماعيل بن إبراهيم يذكر فيه أنه أرسل أكثر من عشرة أرطال من الحرير بتكلفة عشرة دنانير إلى زوجته المطلقة في مصر؛ ليوفي لها ما اشترط عليه في عقد الزواج، وهناك إشارات أخرى تظهر في خطاب التاجر حسن بن إسحاق الخولانى إلى ابن حوقل في مطلع القرن 5ه/11م - ربما كتب في الإسكندرية - يشير إلى نوع من الحرير قادم من صقلية معبأ بين شحنة من الجلود من أجل حمايته من الماء، بالإضافة لإشارة أخرى تشير لنوع آخر من الحرير السيراكوزي وردت في أوراق الجنيزة في خطاب مؤرخ عام 440ه/يناير 1048م.
44
واشتهرت مدينة لقنت بالحلفاء، ومنها يتجهز إلى جميع بلاد البحر كمادة خام أو على هيئة مصنوعات ومنتجات صنعت من الحلفاء،
45
واختصت مدينة شاطبة بالكاغد؛ فعد من أهم الصادرات الأندلسية التي لها رواج في أسواق بلاد المشرق والمغرب، وفي هذا يقول الإدريسي: «بها [أي شاطبة] من الكاغد ما لا يوجد له نظير بمعمور الأرض ويعم المشارق والمغارب.»