تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اتخذ الإنسان المنسوجات والملابس في المراحل الأولى من حياته وقاية تدفع عنه الحر والبرد، ومرحلة التزين كانت مرحلة تالية اعتبرت من أسباب التحضر، ودورا من أدوار الاعتزاز بالمظهر؛ ما أوجب الاهتمام بها وبطريقة صنعها وإجادتها. وتعد الملابس والمنسوجات من الضروريات التي رافقت الإنسان منذ بداياته الأولى؛ إذ بدأ الإنسان يستعين أولا بالنباتات ليستر عورته، يقول جل جلاله:

فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ،

80

ومع مرور الوقت شعر بالحاجة إلى كساء يقيه برد الشتاء القارس، ويحميه من رطوبة الأمطار كما قال سبحانه وتعالى:

وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم ،

81

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان أحب الثياب إلى النبي

صلى الله عليه وسلم

أن يلبسها الحبرة. والحبرة: ثياب من قطن محبرة أي: مزينة» (متفق عليه)، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كان أحب الثياب إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

القميص.»

82

وكغيرهم عمل سكان الغرب الإسلامي على ستر العورة واتخاذ الزينة من المنسوجات والألبسة كما جاء في القرآن الكريم، وسنة خير الخلق محمد

صلى الله عليه وسلم

الذي لا ينطق عن الهوى، فجاء قوله جل جلاله:

يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ،

83

كما أن أول من عمل بمهنة الحياكة والخياطة هو سيدنا إدريس عليه السلام؛ الأمر الذي أضفى على هذه المهنة المزيد من التقدير والاحترام، فمارسها العديد من الناس وتفاخروا بها وتوارثوها جيلا عن جيل، وفي هذا الإطار يقول ابن خلدون:

84 «اعلم أن المعتدلين من البشر في معنى الإنسانية لا بد لهم من الفكر في الدفء كالفكر في الكن، ويحصل الدفء باشتمال المنسوج للوقاية من الحر والبرد، ولا بد لذلك من إلحام الغزل حتى يصير ثوبا واحدا، وهو النسج والحياكة، فإن كانوا بادية اقتصروا عليه، وإن مالوا إلى الحضارة فصلوا تلك المنسوجة قطعا يقدرون منها ثوبا على البدن بشكله وتعدد أعضائه واختلاف نواحيها، ثم يلائمون بين تلك القطع بالوصائل حتى تصير ثوبا واحدا على البدن ويلبسونها، والصناعة المحصلة لهذه الملاءمة هي الخياطة.»

وجاء القرآن الكريم بالعديد من الآيات التي تذكر النسيج والمنسوجات وهو ما يعطي أهمية لها ولصناعتها وبالتالي تجارتها، فمن أمثلة المنسوجات التي شرفت بذكرها الجلباب بقوله عز وجل:

يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ،

85

والجلباب كما ذكره ابن منظور:

86 «ثوب أوسع من الخمار دون الرداء، تغطي به المرأة رأسها وصدرها.» وقيل: «هو ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة.» وقيل هي «ملاءتها التي تشتمل بها.» وقوله جل جلاله:

يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين ،

87

السندس هو «الرقيق من الديباج ورفيعه».

88

أما الإستبرق فهو «الغليظ من الديباج وما خشن».

89

وقال كذلك سبحانه وتعالى:

ونمارق مصفوفة ،

90

وكما ذكر ابن منظور:

91 «النمرقة والنمرق والميثرة ما افترشت است الراكب على الرحل كالمرفقة، غير أن مؤخرها أعظم من مقدمها ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل ووسطه.» كما وردت الأريكة وهي «الفرش المزينة في السرر».

92

وقد ورد ذكر الأرائك في القرآن الكريم في قوله جل جلاله:

هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ،

93

وفي قوله عز وجل:

متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ،

94

ذكر الرفرف وهو الرقيق من الديباج «ثياب خضر يتخذ منها للمجالس»

95

وقال سبحانه وتعالى:

وزرابي مبثوثة ،

96

والزرابي «كل ما بسط واتكئ عليه، وقيل هي الطنافس لها خمل رقيق متعددة الألوان.»

97

وارتدى سكان الغرب الإسلامي الصوف، فكان أكثر الملابس انتشارا لبرودة الجو في بعض مناطقه خاصة في الأندلس وخاصة في فصل الشتاء، كما انتشرت المنسوجات الصوفية نظرا لتوافر المراعي الخصبة به وظروف الجو المناسبة لتربية الأغنام،

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٧