156
كما استؤجر لينادي على بيع السلع مقابل أجر معلوم،
157
فيبذل مجهودا لبيع الثياب بالاستقصاء والبحث عن أفضل سعر سواء بعد مشورة صاحب الثوب أو من دون مشاورته.
158
وفضل بعض التجار والمشترين الدلال عند الشراء عن الجلاس لما عرف بالغش والتدليس في البيع كجلاسين الحرير؛ فكانوا يأخذون أجرة البيع مرتين، واحدة من المشتري وأخرى من البائع؛ مما دفعهم لرفع ثمن السلعة كي تزيد أجرتهم،
159
والجلاسون هم أصحاب حوانيت داخل السوق يتم فيها البيع بالمزاد لحساب التجار وخاصة النصارى، وأسوأ الجلاسين سلوكا باعة القرق.
160
ويبدأ الدلال عمله بأن ينادي على سلعة بسعر معين، ويزيد عليها في الثمن لصالحه دون علم صاحبها،
161
أو يتخذ الثياب الجيدة لنفسه كي يتجر بها لصالحه، خاصة أنهم عرفوا بأمور الربا والبيع الفاسد في كثير من الأحيان،
162
فمنهم من تواطأ مع بزاز بتبادل الإشارات «الغمز» مع التجار لشراء سلعة بعينها بسعر بخس، فعند قدوم أحد التجار لبيع بعض المتاع ينادي عليه بسعر غير المتفق عليه، وعمد بعض الدلالين إلى إعطاء التجار المعروفين أموالا ليحتكروا بيع مصنوعاتهم في السوق.
163
ومن طرق البيع التي اتبعت عند الدلالين، ما عرف ب «إعكام البز» بأن يستأجر دلال على بيع البز، ويتفق معه على أجرة معلومة مقابل بيعها بأن «يقال صح على هذه السلعة، فإن بعتها بعشرة دنانير فلك من كل دينار سدسه.»
164
كما مارس الدلالة كل من تعرض للخسائر أو الإفلاس من التجار أصحاب الحوانيت؛ فاضطروا للعمل بها لخبراتهم في البيع والشراء وإقناع المشترين.
165 (ب) السمسار
السماسرة أو الدلالون أو الطوافون،
166
وهو الوسيط بين التاجر والمشتري،
167
والسمسار كما عرفه ابن رحال
168
بأنه «الذي يطوف بالسلعة ويدور بها على التجار ويقول من يزيد عليها.» وسماسرة النسيج نوعان؛ الأول: من يقوم بأمور السمسرة في الحقول مع المزارعين البسطاء ومع التجار الراغبين في شراء المحصول مقابل عمولات نقدية يحصل عليها، ولهم مطلق الحرية في إبداء رغباتهم في نوعية النسيج وجودته؛ لأنهم مفوضون من قبل التجار، وتذكر خطابات الجنيزة أن هؤلاء التجار كانوا على علم بمواعيد الحصاد وبمواعيد الحلج والتصنيع؛ فأرسل تجار النسيج اليهود أقاربهم إلى مصر لشراء الكتان من الحقول لإرساله إلى بلدان الغرب الإسلامي، فحرص التجار على إرضاء السماسرة كي لا يقعوا في خلافات معهم.
169
والثاني: من يحمل الثياب ويهتف وينادي عليها لجذب المشترين.
170
ومن عادات السمسار التكلم بالكذب، فتارة يشيع أن السلعة نادرة بالأسواق ولم يبق في السوق غيرها، وتارة أخرى يشيع أن سعرها سيزيد، أو الراغبين فيها كثر ليتهافت الناس على شرائها دون تردد ومفاصلة،
171
وكثيرا ما ترك أصحاب الثياب الأمر في تحديد السعر للسمسار بأن يقولوا له «اعمل فيه برأيك.»
172
لهذا يلخص ابن رحال
173
السمسار في أنه هو «الحاذق العالم بالبيع والشراء يجلس في الحانوت يبيع لمن أراد البيع ويشتري لمن أراد الشراء.»
وعن ضمان السمسار اختلف الفقهاء؛ فذكر القاضي عياض
174
بوجوب تضمينه «إذا ادعوا الضياع ... وقل المؤتمن.» أو كما ذكر ابن رحال
175
بقوله عن خلاف ضمان السمسار: «وأما مسمى السمسار ففي ضمانه ما دفع له يبيعه وما لبه من ربه لمتشر أمره بشرائه، ثالثها: ما لم يكن مأمونا، ورابعها: فيما دفع لهم، لا فيما طلبوه.» لهذا فكثيرا ما سئل الفقهاء عن مدى تضمين السمسار عند تضييعه للثياب التي يأخذها ليبيعها ثم يدعي تلفها.
176
وأدى السمسار دورا فاعلا في أمور السوق وفق تقاليد وطرق معهودة،
177
فمن عادته عند البيع أن يزين السلعة في عين المشتري «ولا يبينون له ما فيها من الغش ثم يضيفون إلى ذلك الحلف بالأيمان الكثيرة ليؤكدوا له صدق كلامهم، أو يقوموا بإغراء صاحب السلعة بخلط جيدها برديئها حتى تكثر ويجني أرباحا كثيرة.»