138
وخصص لصانعيهم وتجارهم أحياء خاصة بهم، فخصص لهم أبو يوسف يعقوب المريني حي الملاح بالقرب من القصبة بمدينة فاس، ومنطقة الجمعة الجديدة التي كانت أحياؤها ودكاكينها منظمة بدرجة كبيرة،
139
كما تدل أسماء الشوارع والحارات في الأحياء اليهودية في عدد من المدن الأندلسية على أن يهود الأندلس عملوا بكل أصناف التجارة، لكنهم تخصصوا في تجارة الأنسجة والملابس الحريرية، ففي عام 736ه/1337م وفي قيسارية قلعة أيوب صدر حكم بعقاب وحجز ممتلكات أربعة من تجار الثياب والقماش اليهود؛ نظرا لقيامهم بالبيع خارج القيسارية، وبلغت قيمة العقوبة خمسمائة دينار من الذهب،
140
ومنهم من عمل بالدلالة بحمل الأمتعة لبيعها في البيوت للنساء،
141
كما تضيف وثائق الجنيزة عن عدد كبير من التجار اليهود الذين مارسوا تجارة النسيج في مصر والحجاز والمدن الإيطالية وغيرها،
142
وليهود مدينة تفزة بالمغرب الأقصى أكثر من مائتي بيت ومعظمهم باعة وصناع قصدهم التجار الغرباء يشترون منهم البرانس،
143
ومن أسلم من اليهود أتيح له ممارسة بعض الحرف التي قصرت على المسلمين كما بفاس «وأما من أسلم من اليهود فاحترف بخياطة الملف والثياب وضفر القيطان الذي يخاط مع الثياب ونسج العقد ونسج قلنسوة وتبطينها وصبغها وتصفيفها.» وهذا يعكس أن اليهود زاولوا معظم أنشطة النسيج الصناعية والتجارية وبخاصة في فاس.
144 (ج) تجار القوافل
وبجانب تجار الذمة كان تجار القوافل، وهؤلاء هم التجار الذين قصدوا بلدان الغرب الإسلامي برحلاتهم بغرض الاتجار بسلعهم وبضائعهم، ومن بينها النسيج، كتجار مدينة أغمات، فكانوا «أملياء مياسير، يدخلون بلاد السودان بأعداد الجمال الحاملة لقناطير الأموال من أنواع النحاس الأحمر والأكسية والثياب والعمائم والمآزر.»
145
تجار الجملة سيطروا على معظم التجارة، يجمعون المنسوجات المحلية لعدم قدرة أصحابها على بيعها، خاصة من الحاكة وصغار النساجين بعد عرضها داخل الأسواق، أو عن طريق المزايدات التي تعقد ثم بيعها إلى تجار المفرق،
146
فمنهم من يتجمع عند مداخل الأسواق لاستقبال التجار الوافدين فيشترون منتجاتهم قبل دخولها للأسواق،
147
وهؤلاء بالنسبة لتجارة النسيج من أنشط التجار، فلديهم مجموعة من الوسطاء والتجار الذين لهم الخبرة الكافية، فعادة ما يبدءون عملهم من الحقول للحصول على النسيج الخام الجيد والموثوق؛ لأنهم أجادوا التعامل مع المزارعين ماليا.
148 (2-2) أصناف تجار النسيج في أسواق الغرب الإسلامي (أ) الدلال
هو الشخص الذي يخبر ويعلم القادمين من التجار بموضع السلع في البلد، وهو من يعرف أصحاب السلع بالتجار، ويرشد البائع على المشتري والمشتري على البائع،
149
فمن مهامه إرشاد المشترين على التجار المعروفين بعدم وفائهم بالعطاء الذي يرسو في المزاد؛ لأن في ذلك ثقة ومكانة له داخل السوق،
150
هو من يفتح البيع بالمزايدة، وينادي السمسار الذي يصيح ببداية الشراء والبيع «والدلال يقول هذا مفتاح الباب، والسمسار يصيح قام الندا فما تنتظرون بالثبات.»
151
وينادي ويصيح على الثوب المراد بيعه حتى يصل إلى المبلغ المناسب فيبيعه باتفاق مع صاحب الثوب،
152
لذلك فهو كثير الكذب بإيهام التجار والمشترين أنه مشتر مثلهم، ويعتبر ذلك بابا من أبواب المعيشة له كما ذكر الدمشقي،
153
فيوهم المشترين عن سلعة ما راكدة بأنها مطلوبة في السوق وأن غيرهم من التجار أقبلوا عليها وهي ليست كذلك،
154
فجاء العامة بأمثالهم ليعبروا عن صفات الدلال بقولهم «من استمع من دلال، بقا بلا فضل، بلا رأس مال.» ما يدل على كثرة نفاقه وكذبه،
155
وكثيرا ما تشارك الدلال مع أصحاب الحوانيت لجذب التجار الغرباء والمشترين، بأن لجأ بعض تجار البز إلى شراكة الدلال أو المنادي، بأن يكون البيع معهم؛ ما اعتبر من أبواب الغش والتضليل،