62
ويذهب المشترون لأصحاب الحوانيت لشراء ما يحتاجون من المنسوجات بعد أن يحددوا ويسموا ما يحتاجون، في حين نهى الفقهاء التجار عن تسمية وتحديد نوعية معينة من الثياب للمشترين،
63
وقد اعتاد بعض تجار النسيج الجلوس في حوانيتهم في جو مظلم أو ذي إنارة ضعيفة لبيع سلعهم ليواروا عيوبها، وبعضهم اعتاد فتح حانوته في آخر النهار لقلة ضوء الشمس، فتحسن الثياب والمنسوجات في أعين مشتريها،
64
فحوانيت ودكاكين البز غالبا كان يسترها التاجر ويغطيها فلا تكاد السماء أن ترى من كثرة الحجب، فتبقى مظلمة؛ فتحسن الخرقة بسبب الظلام، فإذا خرج بها إلى الضوء ظهرت عيوبها من الغلظ والخفة وغيرهما،
65
ويذهب المشتري للحانوت ويختار ثيابا بعينها أو يعرض التاجر عليه بعض الثياب سواء بالقطعة أو بالجملة،
66
ومن عوائد التجار عند البيع أن لهم غلمانا وصبيانا يعملون لديهم اعتادوا أخذ مبلغ من المال - هبة - من المشتري كنوع من العطف، وفي الغالب برضاء التاجر لأنه «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه.»
67
ولجأ بعض التجار أحيانا للجلوس داخل الحوانيت أثناء البيع ليمعن النظر للنساء أثناء مرورهن في الأسواق أو عند شرائهن، أو أن بعض النسوة اعتدن الإتيان بأزواجهن ليشتروا ما تختاره، فإذا جلست على الدكان ذهب زوجها إلى مكان آخر وتركها؛ فيستغللن تورع التجار فيتمايلن ويتكلمن برقة لتسهيل أمور البيع والشراء،
68
فضلا عن نشوب الخلافات والخصومات بين النسوة أنفسهن وقت ازدحام السوق، فوصل الأمر في بعض الأحيان لتبادل الشتائم والضرب بينهن.
69
ولموقع الحانوت وقربه من مكان اكتظاظ الناس وتوافدهم عليه أثره في العملية التجارية وفي قيمة الحانوت وازدياد سعره خاصة القريب من المساجد ومداخل المدن، فسعر الحانوت بقيسارية غرناطة عام 865ه/1460م 750 دينارا من الذهب،
70
وتتم عملية البيع بعقود يذكر فيها مكان الحانوت والسوق التابع له والمدة والمساحة والمؤجر.
71
وكان بفاس في عصر المنصور الموحدي 9082 حانوت،
72
بالإضافة لحوانيت ودكاكين الكمادين التي استقرت بتونس،
73
وقرطبة التي بها كثير من الحوانيت قدرت ب 80452 حانوتا،
74
من حوانيت الشقاقين وحوانيت الصوافين بالإضافة إلى حوانيت الحرارين.
75 (1-2) القيساريات
ومن الأسواق التي عرف عنها التخصص في العالم الإسلامي «القيساريات»، وهي عبارة عن مؤسسة تجارية عامة متسعة الطرق، بها مجموعة من الحوانيت والدكاكين، ضمت مباني كالمخازن والحوانيت والمساكن لمبيت التجار،
76
استقرت بموضع أو بحي منعزل يغلق ليلا؛ لأن العادة جرت أن يكون للقيسارية باب يغلق ليلا ، وتلك الأبواب تفتح في ساعات الحركة التجارية وتحرس عن طريق مراقبين مخصصين لهذا الأمر،
77
وبها متاجر متنوعة يباع فيها الحرير الخام والملفوف في رزم، ولا يباع فيها أي نوع آخر غير الحرير، على الرغم من أن الأقمشة المختلفة كانت تغزل فيها وتنسج في قديم الزمان.
78
ومن القيساريات التي اشتهرت بها مدن الغرب الإسلامي وزخرت بتجارة النسيج، قيسارية القيروان التي كانت من الأماكن المشهورة، والتي تقع بالقرب من مسجد القيروان بسوق الضرب،
79
بالإضافة لقيسارية سوسة، واشتهرت بإعداد الكتان المنسوج وبيعه،
80
وقيسارية بجاية الشهيرة، وقيسارية مراكش التي تقع في شرق المدينة بالقرب من باب الصالحة وباب الشريعة،
81
وأمر المنصور الموحدي بعمارة هذه القيسارية في 585ه/1189م، ولعل تاريخ إنشائها يرجع إلى 580ه/1184م،
82
وقد تعرضت لحريق كبير عام 607ه/1210م وأحرقت حوانيت بيع النسيج، فقد ذكر ابن عذاري
83
أن «الضرر الجاري بقيسارية مراكش ... فتمكنت النار بيابس العيدان وشفوف الثياب.» وأعاد الناصر الموحدي بناء القيسارية رغم ما أصابها من جراء هذا الحريق الذي قضى على معظمها وأغلب تجارتها.