262
فبرع صباغو الغرب الإسلامي في استخدام الأصباغ المختلفة الألوان، مستفيدين من النباتات التي تدخل في صناعتها «ولهم ... الأصباغ فيه وفيما يعانون صبغه بدائع بحشائش تختص بالأندلس، تصبغ بها اللبود المغربية المرتفعة الثمينة والحرير وما يؤثرونه من ألوان الخز والقز.»
263
كما برعوا في تحويل المنسوجات القديمة إلى منسوجات تبدو جديدة بصبغها وتغيير ملمحها، وهو ما نهى عنه المحتسبون والفقهاء لاعتباره نوعا من أنواع الغش والتدليس.
264
وتعددت الألوان واختلفت باختلاف مكوناتها، ما بين الأبيض، والأسود، والأحمر، والأخضر، والأزرق، والأصفر، وما اشتق منها من ألوان، فاختلف الأحمر في درجاته ما بين الأرجوان، وهو شديد الحمرة، والبرهمان، وهو أقل منها في الحمرة، والمفدم والمضرج ثم المورد،
265
كما استعمل القرمز للحصول على اللون الأحمر، وكذلك العندم أو البقم، وهو خشب شجر عظام تنبت بأرض الهند، فورق هذا النبات مثل ورق اللوز الأخضر، وساقه وأفنانه حمراء، ويصبغ بطبيخ خشبه،
266
كما لجأ الصباغون إلى استخدام الحناء للحصول على اللون الأحمر أيضا.
267
فبجانب تلك المكونات استعمل الصباغون بعض المواد الأخرى للحصول على اللون الأحمر ك «الطرطار» وهو ما تسرب من غليظ الخمر. وقد نهى الفقهاء والعلماء عن استخدام الطرطار في الصباغة، فجاءت الأمثال العامية لتؤكد استعمال الطرطار في الصباغة «تلاقي الشب مع الطرطار، وخرجت صباغة هندية.»
268
كما استخدم اللك للحصول على اللون الأحمر وأيضا بعض الرخويات للحصول على اللون الأحمر، من بعض الحيوانات البحرية الرخوية من ذوات الصدف، فيكسر الصدف وتجمع في أحواض حتى تتحلل المواد بداخلها، ثم تجمع الرواسب للحصول على اللون الوردي والبنفسجي، وبعد نشرها في الشمس يحصل على اللون القرمزي بعد صبغها بهذه المادة؛ ما أعطى الملابس لونا براقا وناصعا.
269
أما الأصفر؛ فاستخدم العصفر والزعفران للحصول عليه، فيقال: «ثوب مزعفر - مصبوغ بالزعفران.» كما حصل على الأصفر بخلط الأبيض والأحمر،
270
فالأصفر درجات، منها الأصفر الفاتح، والجلوقي والجنار، كما استخدم الصباغون الأسود لصبغ الثياب، فكان منه درجات من أسود مفحم، وأجون وفاحم، وحالك وحائك، وحلوك ومحكوك، وخداري ودهوجي، وغربيب وغدافي،
271
كما حصل على اللون الأسود من لحاء شجر الجوز الذي انتشرت زراعته في المناطق الجبلية بالمغرب والمناطق المحيطة بالريف المغربي؛ فشجر الجوز قبل النضج يكون لونه أخضر، وبعد النضج يصير أسود بعد أن يقطف ويعرض للهواء، فكثر استعماله في كثير من مصابغ المغرب الأقصى.
272
واللون الأزرق أطلق عليه الأكحل أو السماوي،
273
فيحصل عليه من شجرة النيلج أو النيلة، وأدخلت النيلة إلى بلدان الغرب الإسلامي على أيدي الفاتحين المسلمين،
274
فهي من أهم مصادر اللون الأزرق، ويستخرج منها النيل المشتق من مصطلح أنيلين الإنجليزية
Aniline . والنيلج المعروف عند الصباغين هو نبات له ساق وفيه صلابة وله شعب دقاق، عليه ورق صغار على جانبي ساقه، ولونه يميل إلى الزرقة، وعرف بالعلظم، فيغسل ورقه بالماء الساخن؛ لأنه يتكون على ظهر الورق ما يشبه الغبار، ويؤخذ الماء الذي به النيل حتى يرسب فيه على ما يشبه الطين، ثم يصفى من الماء ويترك ويجفف،
275
ولصباغة الصوف بالنيلة يتم وضعه في وعاء به ماء ويضاف إليه قليل من الجير وخلاصة التمر المسحوق، والحناء المجففة المسحوقة ثم تضاف إليها النيلة المسحوقة، ثم يغلى، ويبرد ويغطس فيها الصوف باليد حتى يتشرب الصبغ، وبعدها يعرض لأشعة الشمس.
276
وتدرج الأخضر، من الفاتح إلى الداكن الذي عرف بالجوزي أو النفضي، كما ذكر العمري:
277 «والسلطان يمتاز بلبس الخز ولونه الخضرة والسواد، وقال: وهو اللون المسمى بالجوزي وبالغبار والنفضي.»