222
فلجأ بعض النسوة لاستخدام بعض المواد التي تضفي على الصوف الليونة والنعومة، كما فعلت نساء جزيرة شاشين فكن يدهن الصوف بشحم الخنزير.
223
ومن مدن المغرب الأدنى التي اشتهرت بصناعة المنسوجات الصوفية مدينة قفصة التي امتازت بصناعة الأردية والطيالس والعمائم الصوفية فكانت غاية من الرقة،
224
كما صنعت بطرة - إحدى قاعدتي بلاد نفزاوة ببلاد الجريد - ثياب وأقمشة صوفية جيدة؛ فزاد الطلب عليها وصدرت إلى الإسكندرية وغيرها من البلدان،
225
ونسب إلى مدينة درجين، وهي من أواخر بلاد الجريد، القماش الدرجيني الذي يضاهي الثياب السجلماسية،
226
وسوسة فخلال فترات طويلة استمرت منذ القرن 5ه/11م حتى القرن 8ه/14م أنتجت أنواعا من الأكسية الرقيقة والثياب الصوفية مما لا يقدر أحد على صنعها؛ لمهارة أهلها في أمور الغزل والنسج دون غيرهم في هذا الأمر،
227
فقصدها المسافرون والتجار لشراء الثياب السوسية الرفيعة،
228
فيذكر صاحب كتاب الاستبصار
229
عنها أنها «مخصوصة بكثير الأمتعة وجود الثياب الرقاق وقصارها وجميع أشغال الثياب الرفيعة من طرازها وكمدها، لا يصنع ببلد مثل صنعته بهذه المدينة، والثياب السوسية معلومة لا يوجد لها نظير، لها بياض رائق وبصيص لا يوجد في غيرها، ومنها تجلب الثياب الرفيعة مثل عمائم المعمور وغيرها، تساوي العمامة مائة دينار وأزيد.»
ومن مناطق المغرب الأوسط تميزت مدينة وجدة بجودة أغنامها وصناعتها للأكسية الصوفية التي عرفت بالعبيدية، فكان الكساء الواحد منها يساوي خمسين دينارا أو أزيد،
230
ومدينة بجاية كان أكثر أهلها صناع أقمشة وأغطية صوفية،
231
كما اشتهرت جزيرة قرقنة بأكسيتها الصوفية الناعمة،
232
فضلا عن جزيرة جربة التي تميزت بشياهها الجيدة وصوفها الناعم الحسن والتي اختصت دون غيرها بحسنه؛ فبرع أهلها في عمل الصوف ومشتقاته من عمائم وأردية صدرت للعديد من البلدان،
233
ومن قسنطينة حملت المنسوجات الصوفية إلى الكثير من البلاد،
234
واشتهرت عنابة بصناعة الأغطية المقلمة «الحنبلي».
235
وتلمسان المدينة ذات الصناعات المعروفة والمعلومة، فيذكر ابن الحاج النميري
236
أن بها «مصانع يعجز عن وصفها كل لسان.» فلا عجب أن تكون الصناعات النسيجية وبخاصة الصوفية من بينها «فكان أغلب تكسبهم الفلاحة وحوك الصوف يتغايون في عمل أثوابه الرقاق ... بذلك عرفوا في القديم والحديث، ومن لدنهم يجلب إلى الأمصار شرقا وغربا.»
237
لأنها «دار مملكة يعمل فيها من الصوف كل شيء بديع من المحررات والأبدان وأحاريم الصوف والسفاسير والحنابل المكلكلة وغير ذلك ... ويوجد فيها كساء كامل وزنه تسع أواق ونحوها.»
238
فكانت بها مناطق وأحياء مخصصة في إنتاج الصوف كدرب ابن شاكر الذي امتلك أغلبه الصانع أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن النجار فكان ينتج الثياب الصوفية الرفيعة،
239
التي اشتهرت بها تلمسان كما يقول ابن مرزوق التلمساني:
240 «ثياب الصوف التلمسانية الخالصة.» فهذه الثياب كان منها المختم وغير المختم والتي نسجت من الصوف الخالص أو صوف وحرير؛ لأن صناعها من الرجال والنساء اتخذوا أنواعا من الكنابيش لا توجد في بلد آخر، بالإضافة إلى البرانس الرقيقة والرفيعة التي صنعت من الصوف،
241
كما يخرج من مسجد إيلان بتلمسان كل يوم «حمل للبضع من عمل الصوف، وهذا موضع من آحاد المواضع.»
242
أما عن بلدان المغرب الأقصى التي اشتهرت بصناعة المنسوجات الصوفية فمنها سجلماسة المدينة الشهيرة بمنسوجاتها الجيدة والمميزة على كافة الأصعدة وبخاصة الصوفية منها، فكان لموقعها المميز وتوافر المواد الخام الأولية بها وبالمناطق المجاورة لها، بالإضافة إلى الأيدي العاملة الماهرة من رجال ونساء احترفوا العمل بالنسيج، وأنتجت سجلماسة أقمشة رقيقة وصل ثمن إحداها إلى عشرين دينارا، وذلك خلال القرن الرابع الهجري/التاسع الميلادي،