تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

183

ومدينة سبتة قبلة إنتاج النسيج خلال فترات طويلة من تاريخ الغرب الإسلامي؛ فكان بها العديد من الحوانيت لبيع وتصنيع وإنتاج الحرير، بالإضافة لكثرة أطرزة الحاكة فكانت لا تحصى، وإبان القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي وجد بها ما يزيد على خمسة آلاف مشغل للحياكة يعمل بها قرابة عشرين ألف عامل،

184

وفيها إحدى وثلاثون تربيعة خاصة بالحرارين وهم نساجو الحرير،

185

ويصفها ابن الصباح

186

بقوله: «مدينة سبتة حاضرة من حواضر الأندلس في الكسوة واللباس والسيرة والعادة ... كثيرة ألوان الثياب من لباس الحرير والملف والأفرنقيات والجباب في بلاد زناتة والقبلارات أطوارا أطوارا أي ألوانا ألوانا.»

كما تميزت الأندلس بإنتاج الحرير على نطاق كبير من «حرير الاستغزال»، والحرير «الأحمر النقي الطيب غاية الطيب» وحرير «السقلاطون» الذي استعمل في المناسج الفاخرة،

187

وهو من الحرير المطرز بخيوط الذهب ومن أفضل أنواع الحرير لكثير من التجار؛ لما يتمع به من ألوان براقة،

188

ففي بسطة وجدت الطرز الشريفة التي صنع بها «طرز الوطاء البسطي من الديباج الذي لا يعلم له نظير».

189

نتيجة توافر الأراضي المخصصة لزراعة أشجار التوت، وتوافر الأيدي العاملة المدربة والماهرة؛ ما جعل صناعها ينتجون نوعا من أنواع البسط لا يصنع مثلها في أي مدينة أخرى، وهو ما يعني تفرد بسطة بنوع من الديباج.

ووجد بتدمير «الطرز العجيبة والصناعة الغريبة»،

190

فتفوقت في هذا على قرطبة، وأجاد أهلها هذه الصناعة إجادة تامة،

191

أما مدينة مرسية فتخصصت في صناعة البسط الرفيعة والشريفة لخبرة صناعها في هذا الشأن وكذلك الثياب المطرزة بالذهب.

192

وعدت مالقة مركزا مهما لإنتاج النسيج وخاصة الحرير فكانت على قدر كبير من الأهمية الصناعية لألمرية،

193

فيذكر ابن سعيد

194

عند حديثه عن نارجة المالقية وعن دقة أهلها وحذاقتهم بصناعة الحرير وصبغه: «اجتزت في إحدى المرات مع والدي قرية نارجة فرأينا جماعات كبيرة من الأهالي نصبوا خيامهم في مكان مكشوف متسع في بطن وادي القرية وقاموا جميعا بجمع وغزل وصباغة الحرير، ولما سأل موسى وابنه الصناع: بما يعرف ذلك الموضع؟ قالوا: الطراز، قال موسى: اسم طابق مسماه، ولفظ وافق معناه، ثم قال الشعر: بنارجة حيث الطراز المنم، فرد ابن سعيد: أقم فوق نهر ثغره يبتسم.» ومعظم العمال، في أثناء عملهم، بعضهم يشرب، والبعض الآخر يغني ويطرب، في وسط جو مليء بالبهجة والسرور، وهي عادة اتخذها الأندلسيون بشكل عام، كما يذكر عنها ابن الخطيب:

195 «وحلل ديباجها البدائع ذات تطريز ... والحلل التي تلح صنعاء فيها بالطلب وتدعو إلى الجلب.»

كما أنتج الحرير بكميات كبيرة في حصن شنش التابع لمدينة مالقة،

196

الذي انفرد بصناعة الديباج المذهب والثياب المحلاة بخيوط الفضة الجافة التي تسمى «الدست» كما ذكره ابن الخطيب

197

في قوله: «إلى الدست الرهيف ذي الورق الهيف.» وأنتجت أيضا ثياب الحرير في العصر الموحدي، وبخاصة الموشاة بالذهب ذات الصنائع الغريبة، التي تصدر إلى المشرق والمغرب وتباع بأغلى الأسعار، وربما تجاوز ثمن الحلة الواحدة الآلاف، واستمرت في تقدمها حتى القرن 8ه/14م، فاتجهت المنسوجات الحريرية القادمة من نارجة نحو بلدان المغرب ومصر والأمراء المسيحيين في ممالكهم، كما شهدت بذلك المدونات النصرانية بكثرة إنتاج مالقة للديباج والوشي أثناء حديثها عن زيارة عدة سفن قشتالية لمالقة عام 806ه/1404م، وعودتها محملة بالضيافة من منسوجات الحرير الموشى واتصف بالجودة والرقة،

198

فكانت «أكثر بلاد الله حريرا.»

199

وبالنسبة لإقليم البشارات الذي كثرت به أشجار التوت فاتخذ منه مركز للصناعات الحريرية فكان به 600 قرية يعمل أهلها في هذا المجال،

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٥٣