فالمعروف أن الحرير هو الخز قبل أن يغزل، وأطلق عليه المسلمون القز، وإذا غزل يسمى إبريسم وعند خلطه بالصوف يطلق عليه خزا، وبعد صباغته يسمى عند ذلك حريرا،
167
وأفضل أنواع الخز هو الذي سداه تكون قوية ومتينة، ناعم الملمس، وما انتظم نسجه وثقل وزنه، أما الرديء منه؛ فهو ضعيف السدى، خفيف الوزن، رخو النسج، غير زاهي اللون،
168
فعبر العامة وبخاصة المجتمع الأندلسي عن جودة الخز ودقته بالمثل الشعبي: «شبهت الخز بوبر المعز.»
169
وأجود أنواع الحرير الإبريسم «النقي الحسن اللون السالم من الأحلاف والأوساخ الملتبسة لبعض خيوطه، فتكون خيوطه شكلا واحدا ليس فيها بعض غليظ وبعض دقيق ولا معدة ... فهو أفضل.»
170
وأفضل أنواعه الكوفي، فكان يخلط في بعض الأوقات مع الكتان، مع اختلاف قدر الحرير أو الصوف.
171
أما الديباج؛ فأصله من بلاد فارس وهو من أكثر الأنواع شهرة ودلالة عن المنسوجات الحريرية،
172
فاختلفت أنواع وأغراض الديباج ما بين الملبس وللتعليق أو فرش داخل البيوت «فأفضله ما حسن صبغه وانتظمت نقوشه ودق حريره وصفق نسجه وأشرق لونه وثقل وزنه وسلم من النار.» وخير ما يعد منه يصنع لا بد أن يكون مائتي شبر، أما إذ كان للتعليق فكان مائة وعشرين شبرا.
173
ولم تكن ببلدان الغرب الإسلامي - وبخاصة بلاد المغرب - صناعة الحرير ومنسوجاته على نفس المكانة التي تمتعت بها الأندلس، والتي لاقت منسوجاته الكتانية والقطنية والصوفية من الشهرة ما لم تلقها المنسوجات الحريرية نفسها؛ فانتشرت تلك الصناعة في عدد من مناطق وبلدان المغرب ما بين غزل ونسج وطراز، كمنطقة السوس التي اشتهرت بصناعة الخز.
174
وقد احتكر الصناع اليهود صناعة الحرير الموشى بالذهب؛ حتى إنهم أطلقوا على أرباب العمل والعمال الذين يمارسون هذه المهنة اسم الصقليين نسبة لعملية الصقل التي تتم في صنع الحرير، أو نسبة ليهود صقلية الذين أتوا للمغرب وجلبوا معهم أسرار هذه الحرفة التي امتازوا بها، فصنعت شارات سلاطين بني مرين وبني حفص من الحرير الأبيض وكتب عليها بالذهب آيات من القرآن الكريم،
175
كما طعم الحرير بالذهب والفضة لتوشى به الأقمشة الحريرية كي تزيد من قيمتها، والتي قصر إنتاجها على كبار رجال الدولة والفئات الاجتماعية المترفة؛ ما جعل الثياب الحريرية من تلك الشاكلة ثانوية لدى الصناع والزبائن والإنتاج.
176
وفي المغرب الأدنى انتشرت المنسوجات الحريرية، وبالأخص مدينة قابس، التي بها طراز حرير وناسجو حرير كثر،
177
فإليها ينسب الحرير القابسي، وهو ما أشارت إليه رسائل التجار اليهود عند حديثهم عن جودة الحرير القابسي لكثرة الطلب عليه،
178
كانت مدينة تونس التي وجدت بها مراكز لصناعة الحرير قد بنيت لها أربطة محصنة وبعيدة عن أعين الناس؛ لأن صناعة الحرير بتونس لا تصنع بالأسواق بل في أماكن بعيدة عن أعين الناس للمحافظة على أسرارها وجودتها، وعرفت تلك الأربطة بفنادق الحرير،
179
كما ساعد الغرناطيون القادمون من الأندلس إبان القرن التاسع والعاشر الهجريين/الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين في أن تكون مدينة شرشال مركزا لصناعة الحرير؛ لأن جلهم من نساجي الحرير ومربي دود القز.
180
ومن مناطق إنتاج الحرير في المغرب الأوسط كانت مدينة توزر التي أنتجت أغطية من حرير وصوف بالإضافة للثياب الموشاة التي اشتهرت بها،
181
واشتهرت تلمسان بإنتاج وتصنيع الثياب التلمسانية المصنعة من صوف وحرير مختم وغير مختم ذاعت شهرته في كثير من المواضع.
182
ومن مدن المغرب الأقصى التي أنتجت المنسوجات الحريرية واشتهرت بتجارتها مدينة نول لمطة، التي مزجت بين الحرير والقطن أو بين الحرير والكتان، أو الحرير والصوف في إنتاجها، وتعددت ألوانها بين الأبيض والأحمر والأخضر ولاقت شهرة واسعة وعرفت بالثياب السفسارية،