145
وهو ما أكده الصومعي
146
في أن أحدهم كان يرتدي ثوبا من الكتان مصنوعا في تونس بقوله: «وعليه ثوب كتان من عمل تونس وفي القبة أقطفة ومخاديد وعليها ستور حسن.»
فمن بين مدن المغرب الأدنى والأوسط المعروفة بإنتاج المنسوجات الكتانية قسنطينة؛ فهي من بين المراكز المهمة والمعروفة بإنتاج المنسوجات الكتانية، وصدرت جزءا كبيرا من إنتاجها لمدن الجنوب في السودان،
147
وكذا مستغانم التي اشتهر سكانها بنسج الأقمشة الكتانية الرقيقة،
148
والمهدية التي نسب لها الثياب السوسية المهدوية،
149
وسوسة التي عدت من أبرز مراكز صناعة الكتان نظرا لانتشار زراعة الكتان هذه واحدة، والثانية أن صناعها برعوا وأجادوا في غزل الثياب وخاصة المرتفعة الثمن؛ فحملت إلى البلاد شرقا وغربا، فنسبت إليها الثياب الرفيعة السوسية.
150
وتميزت كل من صفاقس وعنابة بصناعة المنسوجات الكتانية فغالبية سكانهما كانوا من الحاكة،
151
ومدينة توزر التي اشتهرت بزراعة الكتان الجيد، ومدينة بجاية التي امتاز صانعوها بعمل الأقمشة والمفروشات والزرابي على الطراز المغربي لتوافر المواد الخام من كتان وقنب، قامت عليها صناعة الأقمشة الكتانية بها،
152
ومدينة قفصة المميزة بإنتاج الأقمشة الكتانية،
153
ومتيجة كانت من أهم مراكز إنتاج الكتان في الغرب الإسلامي.
154
ومن مدن المغرب الأقصى التي عرفت بإنتاج المنسوجات الكتانية مدينة سبتة؛ فقد تميزت بصناعات النسيج كافة، وقد تلت صناعة المراكب باهتمامها، فمنتجاتها صدرت إلى باقي البلدان في الشرق والجنوب والشمال بفضل تجارها والتجار الواردين إليها، لشراء منتجاتها وبخاصة «الكبوط» الكتاني الذي صدر لبلدان الغرب الأوروبي،
155
وزرع سكان جبل مغسة كميات كبيرة من الكتان؛ لأن معظمهم من حاكة الأقمشة الكتانية.
156
هذا وقد أنتجت درعة نوعا من ثياب الكتان المقاومة للنار، نتيجة لوجود نوع من الحجارة عرف ب «تاوطغيت» تحك بها اليدان حتى تلين لتستخدم في غزل ونسج الكتان، فيصنع منها القيود والحبال، وصنعت منها المناديل المقاومة للنار، التي خص بها ملوك زناتة وكانت عندهم «من أعظم الذخائر»،
157
فكان يباع بسوق بنكور نوع من البرانس المقاومة للماء، تهافت عليها التجار، والتي صنعت بها.
158
واشتهرت الأندلس بصناعة المنسوجات الكتانية، وكان أجودها كتان البيرة فهو «الرفيع الذي له الفضل البائن.»
159
ويضيف الحميري
160
قائلا: «فكتان هذا الفحص [البيرة] يربو جيده على كتان النيل.» كما ينسب ياقوت الحموي لأندراش الكتان الفائق،
161
ولكتان أرون فضل على سائر الكتان الأندلسي لجودة الزراعة والصنع؛ فتغنى شعراء الأندلس بكتانها، كما اشتهرت قادس بصناعة المنسوجات الكتانية؛ نظرا لتوافر البيئية الزراعية للكتان.
162
وعمل بالأندلس «الكتان الدني للكسوة ويجلب إلى غير مكان، حتى ربما وصل إلى مصر منها الكثير.»
163
كما أضاف ابن حوقل:
164 «ويستعمل عندهم للعامة وللسلطان من الكتان ثياب لا يقصر عن الديبقي ما كان منها صفيقا، ومن السلس الدقيق ما يستحسنه من لبس الشرب ويضاهي رفيع الشطوي الجيد.» وكانت باجة رائدة خلال القرن 5ه/11م في إنتاج الكتان، وبلنسية وكيران كانا مركزين لإنتاج الكتان.
165
وتبوأت صقلية خلال القرن 5-6ه/11-12م مكانة مميزة في إنتاج المنسوجات الكتانية ذات النوعية الجيدة التي نافست مثيلاتها في مصر والشام؛ فكان الثوب الصقلي المصنوع من الكتان يساوي في مصر إبان الحكم الفاطمي أكثر من عشرة دنانير مصرية كما ذكر الرحالة ناصر خسرو أثناء زيارته لمصر.
166 (2-3) المنسوجات الحريرية ومراكز صناعتها
ازدهرت صناعة الحرير في الكثير من المدن المختلفة لبلدان الغرب الإسلامي، ففي الأندلس ازدهرت صناعة الحرير خلال القرن 5-6ه/11-12م نتيجة اهتمام السلطات الحاكمة بإنتاج الحرير، فأصدرت له المراسيم الخاصة بإنتاجه، وتفاوتت درجة الإتقان والجودة من مركز لآخر، ومن مدينة لأخرى حسب المقومات الصناعية المتوافرة لديها، فكان لبعضها السبق؛ إذ تربعت على عرش إنتاج المنسوجات الحريرية دون غيرها.