130
وخلال القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، وعلى إثر ما سمح به تخطيط مدينة فاس من إقامة العديد من حوانيت النسيج، استمرت فاس في تقدمها النسيجي؛ فكان بها 250 محلا للحياكة، و150 دكانا لصباغة الغزل، بالإضافة للعديد من حوانيت القطانين وأسواقهم؛ فكان بها 30 دكانا لباعة الأشرطة القطنية وبعض السروج، وبعض الأماكن الخاصة ببيع الأقمشة الصوفية الغليظة، فكان عددها 100 دكان و141 دارا مخصصة لأمور الغزل تستجلب الصوف القادم من الرعاة والفلاحين المحليين فيدخل في تلك الدور لإنتاج الثياب والمنسوجات الصوفية، والعديد من الحوانيت الخاصة بالمنسوجات، فكان بجوار باعة الشمع العديد من باعة الخيوط النسيجية، وبجوارها حوانيت تبيع الحبال والخيوط وحبال الخيل وأرسانها المصنوعة من القنب، فضلا عن حوانيت بيع الكتان والثياب والكثير من الأسواق الخاصة بالنسيج،
131
والكثير من الحوانيت المعدة التي خصصت لصناع الأشرطة الكتانية والقلاع والشقق الكتانية، وكذلك قماش الكتان الغليظ الذي يستخدم في تغطية الشوارع والأسواق، كالذي استعمل في تغطية صحن جامع القرويين.
132 (2-1) المنسوجات القطنية ومراكز صناعتها
ارتدى مسلمو الغرب الإسلامي النسيج القطني كغيره من المنسوجات نظرا لتوافر المواد الخام الخاصة به، وهي القطن، في عدد من بلدانه، وذلك من وقت طويل، منذ دخوله على يد الفاتحين العرب، فتميزت مواضع دون غيرها بصناعة المنسوجات القطنية، فمن بين تلك البلدان بلاد المغرب، فلم تنشط بها مواضع لصناعة المنسوجات القطنية بقدر ازدهار المنسوجات الصوفية والكتانية، على الرغم من عدم قلة الأراضي المزروعة بالقطن، لكن لجأ سكانه لمزج القطن بالكتان تارة والصوف تارة أخرى والحرير، فأنتج القماش «السفساري» في تونس، وهو قماش مصنوع من حرير وقطن،
133
كذلك أنتجت نساء مكناسة أقمشة من الحرير والقطن أو من القطن والصوف حملت اسم البلد وذاع صيتها ببلدان كثيرة لنعومتها وجودتها،
134
وبرع سكان قصر طلمثية في إنتاج ثياب مصنعة من القطن والكتان نقلت إلى العديد من البلدان،
135
وصنع أهل ندرومة أقمشة قطنية غاية في الدقة والليونة،
136
ومدينة سلا التي كانت محطا للقطن والكتان فأنتج صناعها الأقمشة والملابس المصنعة من القطن الناعمة،
137
ومن القطن صنع الأودغستيون أزر سمونها الشيكات.
138
كما اشتهرت الأندلس بصناعة المنسوجات القطنية وبالأخص بوادي أش، فأنتج أنواعا من المنسوجات القطنية الرقيقة،
139
وهو ما يستنتج من قول الإدريسي
140
الذي جاء فيه: «وتصنع من حصن بكيران ثياب بيض تباع بالأثمان الغالية وهي من أبدع الثياب عتاقة ورقة حتى لا يفرق بينها وبين الكاغد في الرقة والبياض.» وأغلبها كانت ملابس للنوم أو ملابس داخلية، كما بأرون أصناف من المنسوجات القطينة العديدة،
141
بالإضافة لمدينة شبرب التابعة لبلنسية.
142
وصقلية التي اختصت بعض مدنها بإنتاج المنسوجات القطنية كمدينة بليرم؛ فكان بها العديد من الحوانيت الخاصة بالقطانين والحلاجين،
143
فاستمرت تنتج تلك النوعية لفترات طويلة على الرغم من انتهاء الحكم الإسلامي بها، وظلت العديد من المصطلحات الصناعية باقية لصناعها.
144 (2-2) المنسوجات الكتانية ومراكز إنتاجها
برع صناع الغرب الإسلامي في إنتاج المنتجات الكتانية بأصنافها العديدة وبالأخص مدن المغرب، فمن مدن المغرب الأدنى تونس أنتجت أنواعا مميزة من القماش عرف ب «القماش الأفريقي» وهو من الثياب الرفيعة المصنعة من القطن الممزوج بالكتان، أو من الكتان الخالص يسمو في جودته عن النصافي البغدادية، فاعتبرت من أحسن كساوي المغرب بفضل سكانها فمعظمهم كانوا من الحاكة، فضلا عن نسائها؛ فقد تميزن في أمور الغزل وأتقنه بشكل بارع،