تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مدينة ألمرية:

من المدن التي تبوأت الصدارة في إنتاج النسيج وبخاصة إنتاج الحرير كانت مدينة ألمرية الأندلسية؛ الأمر الذي جعل كل من زارها يتحدث عن منسوجاتها وعن دقتها وجودتها؛ فلم تكن فقط مركزا مهما في الغرب الإسلامي فحسب، لكنها تحولت إلى مصدر مركزي لإنتاج النسيج أيضا وبعض المصنوعات المرفهة للممالك المسيحية المجاورة.

114

وانتقلت صناعة الحرير إليها عن طريق بعض الممالك والمدن المجاورة وبالأخص مدينة بجانة التي عدت من أهم مراكز إنتاج وتصنيع الحرير إبان القرنين الثالث والرابع الهجريين/التاسع والعاشر الميلاديين؛ فكانت المنسوجات الحريرية بها «تحمل إلى مصر ومكة واليمن وغيرها.»

115

ومع بداية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي وعلى أثر انتقال معظم صناع وحرفيي بجانة إلى مدينة ألمرية، وازدهرت وشهدت صناعة الحرير بألمرية تقدما ملحوظا وما واكب ذلك من انهيار اقتصادي وسياسي بإقليم بجانة خلال تلك الفترة.

116

وقد اشتهرت ألمرية ب «صناعة الوشي والديباج على اختلاف أنواعه، ومن صنعة الخز وجميع ما يعمل من الحرير ما لم يصر مثله في المشرق ولا في بلاد النصارى .»

117

وهو ما ميزها عن سائر البلاد فكانت تنتج الديباج

118 «ما حسن صبغه وانتظمت نقوشه ودق حريره وصفق نسجه وأشرق لونه وثقل وزنه وسلم من النار.»

119

وذكر الزهري

120

في حديثه عن مدينة ألمرية أن «فيها كان يعمل الديباج المحكم الصنعة مثل المرنجات المعروفة بالعداديات وثياب السندس الأبيض وهو ديباج أبيض ... كله لا يخفى على أحد من صناعته شيء، وفيها استنبطت ثياب المعمة المعروفة بالخلدي، ليس في ثياب الحرير كلها أتم منها مجالا ولا جمالا؛ لذلك سميت بهذا الاسم، وهو مشتق من الخلد ... وأكثر صناعة نسائهم الغزل الذي يقارب الحرير في سوقه وأكثر صناعة رجالهم الحياكة.» وصنع بألمرية من صنوف الحرير الكثير من الديباج والوشي والسقلاطوني والبغدادي والستور

121 «والأصبهاني والجرجاني بالإضافة إلى الستور الملكية والثياب المعينة والخمر والعتابي والمعاجر وصنوف أنواع الحرير.»

122

وفي هذا النص دليل على أن مصانع الحرير بألمرية اتبعت في صناعتها التقليد لبعض منتجات المشرق الإسلامي كالعتابي والأصبهاني والجرجاني وهو ما أشير إليه، ويعكس مدى ما وصل إليه صناع الغرب الإسلامي، وبخاصة صناع ألمرية، من مهارة في إتقان جميع صنوف المنسوجات الحريرية لدرجة أنها طابقت في جودتها ودقتها بلادها الأصلية،

123

وهو ما يوضح عمليات الصنع والبيع للمنسوجات المقلدة من الحرير ذات السمعة الجيدة من الجرجانية وغيرها الذي قد أنتج في ألمرية، حتى إن أبا من عدن طلب بعض الحرائر الجرجانية من ألمرية من أجل جهاز عرس ابنته فجاءت بسهولة من الأندلس،

124

ووجد بألمرية ثمانمائة طراز من طرز الحرير النفيسة وألف منوال للديباج.

125

مدينة فاس:

عاصمة النسيج في بلدان الغرب الإسلامي من الكتان والصوف والقطن والحرير، بفضل ما هيأته الطبيعة من جودة التربة وتوافر مصادر المياه بالإضافة إلى الأيدي العاملة الماهرة، وما يقدم إليها من مواد خام سواء محلية أو عن طريق التجار والمزارعين، فضلا عن كونها مركزا إداريا وسياسيا خلال فترات طويلة من تاريخها؛ ما أهلها لأن تكون إحدى عواصم النسيج في الغرب الإسلامي.

126

فخلال فترة حكم الموحدين وخاصة أيام الخليفة الناصر الموحدي 585ه/1189م، كان بفاس 3064 موضعا خاصا بالنسيج وطرزه ،

127

بالإضافة للعديد من الأماكن التي خصصت لصنع وبيع وتجارة النسيج ومتعلقاته،

128

كما وجدت بها بعض الأزقة والشوارع الخاصة بالحاكة والنساجين،

129

ما يعكس المكانة الاقتصادية والصناعية التي وصلت إليها فاس فيما يتعلق بصناعة النسيج، فهذا العدد الكبير من دور النسيج يبرز كيف أنها زجت بالعمال والصناع فأصبحت قبلة النسيج، ففي ظل حكم بني مرين كان لهم دار طراز بفاس باعتبارها دار حكم، واستمرت تنتج المنسوجات الفاسية،

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٤٩