تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

81

وأسندت وظيفة الإشراف على دور الطراز للمقربين من الخلفاء والملوك، وأطلق على القائم عليها اسم «صاحب الطراز» فكان يشرف ويراقب على الأعمال، ويدفع الرواتب وغيرها من «أمور الصباغ والآلة والحاكة فيها وإجراء أرزاقهم وتسهيل آلاتهم ومشارفة أعمالهم، وكانوا يقلدون ذلك لخواص دولتهم وثقات مواليهم وكذلك كان الحال في دولة بني أمية بالأندلس.»

82

فكان الصقالبة والفتيان المعروفون بالأكابر في عهد بني أمية هم من تولوا هذا الأمر منذ خلافة عبد الرحمن الناصر ومن بعده ابنه الحكم المستنصر؛

83

فكان يتفقد دار الطراز ويطلع على أمورها بنفسه ويتابع العاملين بها ويستفسر عن أوضاعهم وما يتعلق بسير أعمالهم.

84

وأول من اتخذ الطراز هو الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك،

85

والأمير عبد الرحمن بن الحكم وهو أول من أنشأ دارا للطراز في الأندلس،

86

كما يذكر ابن الخطيب:

87 «وفي أيامه اتخذ الطراز الذي كان حديث الرفاق، وطرفة أهل الآفاق.» وهي في الأصل تطور واتساع لدار البرد أو الدار البردية التي كانت تقع غرب قصر قرطبة التي كانت من بنيان الأمير عبد الرحمن بن معاوية.

88

ويدلل انتشار دور الطراز في مدن الغرب الإسلامي وبخاصة مدن الأندلس على مدى اهتمام الدولة لتوثيق الأحداث والمناسبات عن طريق تطريزها وتصويرها على الأعلام والرايات.

89

وسعى الخلفاء والحكام على توفير ما تتطلبه دور الطراز من مواد خام وبخاصة في عهد الأمويين الذين أصدروا الأوامر للولاة في شهر أيار (مايو) من كل عام بجمع إنتاج الحرير وإرساله لمعامل الطراز الموزعة بمناطق الأندلس المختلفة،

90

وهو ما أشار ابن الخطيب

91

إليه بقوله: «ومن آثاره التي ضربت بها الأمثال وقضيت منها العجائب، حال الطراز ببابه لنسج ما يحتاج إليه من الخلع والكسى وملابس الحرم وغير ذلك ... ولو تتبعنا أصنافهم وما كانوا يحاولونه من صناعاتهم ويناغون به المشرق من بضاعتهم ومقدار جراياتهم ونفقاتهم لضاق عنه الكتاب.» ويفهم من هذا النص أن منسوجات الغرب الإسلامي وبخاصة الأندلسية المصنعة بدور الطراز كانت تضاهي في جودتها ودقتها وحجم المصنوع منها؛ المنسوجات المشرقية التي ذاعت شهرتها آنذاك، كما يعتقد أن تلك التقاليد الخاصة بدور الطراز ظلت باقية في غرناطة بعد سقوط العديد من الممالك الأندلسية على يد إسبانيا ولفترات طويلة.

كما وجدت ببلاد المغرب دور الطراز التي أنتجت كل ما يتعلق بالخلفاء والحكام من ثياب ومنسوجات، فكان بالقيروان دار طراز خاصة بها، وما يدل على ذلك وجود باب من أبواب القيروان يعرف ب «باب الطراز»

92

كما أشار الإدريسي

93

إلى وجود دار طراز اختصت بإنتاج الحرير في مدينة قابس «فكان بها فيما سلف طرز يعمل بها الحرير الحسن». وفي هذا إشارة، على الرغم من أن قابس لم تكن عاصمة إدارية للحكومات الإسلامية في الغرب الإسلامي، فإنها كانت قاعدة لإنتاج الحرير في فترات ليست قليلة، وهو ما يعكس وضع المراكز الصناعية ومراكز إنتاج النسيج في بلدان الغرب الإسلامي، ورغم عدم توافر نصوص تاريخية تذكر وجود دور للطراز بالمغرب في عهد المرابطين فإن الدلائل الأخرى تساعد على افتراض وجود بعض دور للطراز في عهد المرابطين، خاصة في زمن يوسف بن تاشفين (400-500ه/1009-1106م) والذي اتخذ قرارا يفضي إلى إثبات اللقب الذي اتخذه في طرازه دون وجود دور للطراز،

94

غير أن خلفاء الموحدين حرموا على أنفسهم الطراز في بداية حكمهم، فلم يكن لهم شيء من طراز «فكانوا يتورعون عن لباس الحرير والذهب؛ فسقطت هذه الوظيفة من دولتهم واستدرك منها أعقابهم ...»

95

لكن بعض الإشارات الأخرى تشير إلى وجود دور طراز في مدينة أغمات في العصر الموحدي،

96

ووجد بفاس دار طراز لملوك بني مرين اختصت بإنتاج الثياب والخيام والأعلام الخاصة بهم وببطانتهم وفرق الجيش، فخضعت لسلطانهم وتصرفاتهم لإنتاج ما يلزم للبلاط السلطاني،

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٤٧