69
وخصص النول الأفقي للرجال فهو معقد بعض الشيء، فهو مكون من عدة أجزاء منها الدواسة، وهي عبارة عن بدال أو رافعة تدار بواسطة القدم للتحريك والدرء، والدف وهو الجزء الذي يتم من خلاله عملية النسج الفعلية، وتشمل أجزاء كبيرة من النول، بالإضافة إلى المشط وهو عبارة عن قطعة خشبية وضعت بها بعض المسامير والأسلاك، يمر بين الخيوط كي يحافظ على المسافات بينها، ويقوم بضم خيوط اللحمة، بالإضافة إلى المكوك، وهو عبارة عن أداة تحمل خيط اللحمة داخل علبة من الخشب،
70
ويجلس النساج خلف النول.
71
وتبدأ عملية النسج بتحريك النساج الدواسة بقدمه، وتمرير مكوك الخيط باليد، ثم تحريك قدمه اليمنى وينتهى باليسرى، حتى يتمكن من تمرير المكوك الذي يحمل خيوط اللحمة، ثم يقوم النساج بقذف المكوك بواسطة اليد يمينا ويسارا على التوالي، بحيث يتمكن من دمج خيوط اللحمة والسدى، ثم يقدم بيده لتحريك المشط لضم الخيوط المنسوجة من السدى أو اللحمة بعضها لبعض، أو ضم الحبيكة كي لا تخلل وتتصفق؛ فيكون بينها عيون تضعف من قوة الثوب، وبعدها يقوم النساج بتحريك قطعة الثياب بواسطة القلاب.
72
ويرجع البعض بداية ظهور الأنوال بهذا الشكل إلى الهند بين القرن 5-9ه/11-15م وسرعان ما انتقل إلى بلدن الغرب الإسلامي.
73
وعلى كل ما سبق تأثرت البيئة المحيطة في الغرب الإسلامي بتطور صناعة الغزل وبخاصة في تونس؛ فأدى ذلك إلى ظهور بعض التجمعات الكبرى وبخاصة حول الحواضر والمدن لجمع الغزل من المناطق المحيطة، كما حول الناحية الجنوبية من مدينة تونس التي تعرف ب «مسبحة مقرين للغزل» فكانت مستودعا كبيرا للغزل المتجمع من المدن والبوادي ومعامل ومصانع الغزل المختلفة ليدخل مرحلة التصنيع، وقد حرصت السلطة على حماية هذا الموضع؛ لأهميته الصناعية والتجارية.
74 (1-3) مرحلة التصنيع
قبل الاستطراد في تلك المرحلة وذكر خطواتها والتطرق لأهم مواضعها ومنتجاتها ومراكز صناعتها، لا بد من الإشارة إلى دور الطراز الخاصة والعامة في بلاد الغرب الإسلامي، التي انتشرت خلال فترات تاريخها، فبوجودها تأثرت صناعة النسيج؛ مما ساهم في تنوع الإنتاج النسيجي بإنتاج نوعيات تميزت بها بلدان الغرب الإسلامي عن غيرها واشتهرت بها. (أ) دور الطراز في الغرب الإسلامي
75
أطلق الطراز أول الأمر على الكتابة الزخرفية الموجودة على المنسوجات، فهو لفظ أعجمي مأخوذ من كلمة طرازيدين أو ترازيدين وتعني التطريز وعمل المدبج، وقد شاع مدلولها على الدور والمصانع التي تقوم بإعداد تلك الصناعات،
76
وانقسم الطراز إلى: الطراز الخاص وهو ما خصص إنتاجه للخلفاء والملوك، والطراز العام ووجه إنتاجه لعامة الناس والبلاط أيضا، وكلاهما خضع للمراقبة من قبل السلطة.
77
فدور الطراز الخاصة أماكن معدة لصناعة ثياب الخلفاء والسلاطين والملوك، فاتخذ لها أمهر النساجين والحاكة والخياطين وأفضل الصباغين لإنتاج ما يتطلبه البلاط، وهو ما ذكره ابن خلدون
78
بقوله: «وكانت الدور المعدة لنسج أثوابهم في قصورهم تسمى دور الطراز لذلك.» وكلف شخص يتولى الإشراف على خزائن المنسوجات عرف ب «الوكيل» وهو القائم بشئونها.
79
وحوت دور الطراز كل ما يلزم لصناعة ثياب ونسيج الخلفاء والملوك وخاصتهم؛ فلم تهتم بإنتاج ما يحتاجه السوق المحلي بشكل كبير؛ فسعت جاهدة لإنتاج أجود الثياب التي حظر بيعها في الأسواق وللعامة، فخضعت للرقابة الحكومية من قبل المحتسبين حتى لا يتدنى إنتاجها، وتخرج المنسوجات مثلما حدد لها عن طريق المحتسبين ثم تختم فتصير جاهزة،
80
فزودت بالأنوال وبخاصة الضخام منها التي تنسج الخيام - كما وضح - كالأنوال الخاصة بصناعة الثياب «وآلات النسج وضخام المناول»، كما كان بها ألواح الرسوم الخاصة بكتابة أسماء الخلفاء والملوك على الثياب والأعلام، بالإضافة لأدوات التنعيم والصقل والتصفيق كالشمع الذي خزن بكميات كبيرة حتى بلغ مخزونه الكثير بها «جبال الشموع»، فضلا عن مواد الصباغة «عقار الصبغ»، فضلا عن خيوط الذهب والفضة التي كانت تطعم بها الثياب الملوكية.