تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن خلال ما ذكره ابن سعد عن مراحل تصنيع وإنتاج الحرير وبخاصة في الأندلس، يتضح أنها خضعت لرقابة حكومية أشرف عليها في جميع مراحلها، فكان إنتاج الحرير بمثابة عمل قومي تباشر عليه الدولة، وهي تلك الفترة التي تميزت بها الأندلس بإنتاج الحرير، ولكن مع ضعف الحكومات الإسلامية في الغرب الإسلامي وعدم الاهتمام بمربي وصناع الحرير وسقوط العديد من المعاقل والحصون الإسلامية في الأندلس، والتي كانت من أهم المراكز الصناعية لإنتاج الحرير، فضعفت وانهارت تلك الصناعة، وخير مثال على ذلك قرطبة وألمرية.

كما تعد عملية حل الحرير من أهم الأعمال في إنتاج الحرير، ويتم فيها تحويل الشرانق إلى خيوط لاستعمالها في الصناعة أو البيع، وتتمحور تلك العملية في تفريغ الشرنقة أي تحويلها إلى خيط متصل، ولهذه العملية مراحل كثيرة أهمها التخنيق، وهي قتل الفراشة داخل الشرنقة حتى لا تخرج وتثقب الفليجة، ثم سلق الشرانق حتى تلين خيوطها ويسهل حلها، ثم إزالة الرغس أي اللزوجة التي تصاحب الحرير وهي لعاب دود القز،

46

وإمساك خيط الشرنقة ونزع ما لا يصلح للاستعمال، وأخيرا جذب بضعة خيوط لعدة شرانق وجمعها وحلها معا، ولفها على الدولاب حتى إذا بردت التصق بعضها ببعض وصارت خيطا واحدا، هو الذي يحول في النهاية إلى خيط صالح للاستعمال. ولإتمام عملية حل الحرير لا بد من توافر عدة أدوات، منها: «الخلقين» وهو عبارة عن إناء نحاسي واسع العمق يملأ بالقدر اللازم ماء، وتضرم النار تحته حتى غليان الماء، فتسلق الشرانق فيه حتى تتخنق، ويتم تحريك الشرانق داخل الإناء عن طريق عصا، وذلك بطريقة دائرية لفصل الشرانق عن الخيوط، حتى تصير لامعة وساخمة وبراقة بعد تنقيتها.

47

وكذلك لا بد من توافر «الدولاب» وهو عبارة قطعة خشبية لها ماسكة من الحديد لتديره، مثبتة على قاعدة خشبية ترتكز على ست خشبات، خمس منها ثابتة، والسادسة متحركة - سهلة الخلع - يمكن حلها عند عملية فك الحرير الذي يكون مشدودا على الدولاب ويثبت فوق الخلقين، وفوق الدولاب لوحة خشبية يركز عليها ثلاث أو أربع خشبات وبكر لبرم الخيط، وجدت به كرة خشبية تساعد على تسليك الخيوط على الدولاب أثناء البرم، وأطلق على هذه الآلة الطاحونة، وعرفت تلك العملية بردن الحرير،

48

وبعدها تنزع الخيوط وتوضع على سقالة خشبية لنشرها حتى تجف، وبعد أن تجف تكب على سقالة خشبية مستديرة، وبعده تجمع الخيوط لتفتل، وبذلك تكون خيوط الحرير جاهزة لأن تدخل مرحلة جديدة وهي الغزل، وكانت تتم باستخدام المغزل.

49 (د)

تجهيز القطن: كما ذكر - سابقا - أن القطن يشرع في جمعه في الصباح الباكر بداية من شهر سبتمبر قبل أن تشتد حرارة الشمس، ويكون باليد بكل رفق ولين، ثم يعرض في الشمس ليجفف، ثم يرفع ولا يترك لفترات طويلة في الشمس حتى يحتفظ ببعض رطوبته وليونته ببقائه في الظل،

50

لأنه متى جمع في الحر كسر جوزه واختلط بالقطن ولا يمكن التخلص منه، وهو ما يهدر الكثير من الوقت في تخليصه، وإذا خزن القطن دون أن ينشر في الشمس فسد،

51

ومن مراحل تجهيز القطن المهمة التخلص من محارين القطن وهو كل ما يعلق به من قشور وحب أثناء عملية جمعه، وتعرف هذه العملية بالحلج، ثم يدخل بعد ذلك مرحلة جديدة وهي الندف وهي فك القطن من العقد وتشابك نسيجه، ليحل وينفش فيكون جاهزا للغزل.

52 (1-2) مرحلة الغزل

لإتمام تلك المرحلة لا بد من توافر الأدوات اللازمة لعملية الغزل من أنوال ومغازل وعمال وغيرها من الأدوات التي تساعد في عملية الغزل، والتي اعتبرت قوام صناعة النسيج برمتها، فبدونها لا تكتمل العملية الصناعية للنسيج، وهو ما أوضحه ابن الخطيب

53

من خلال النص الذي أورده حول دار الطراز المريني بفاس يتضح أن به «آلات النسج وضخام المناول»، وألواح الرسوم الخاصة بكتابة أسماء الخلفاء والملوك على الثياب والأعلام، بالإضافة لأدوات التنعيم والصقل والتصفيق كالشمع الذي خزن بكميات كبيرة حتى بلغ مخزونه «جبال الشموع»، فضلا عن خيوط الذهب والفضة التي كانت تطعم بها الثياب الملوكية. واستخدمت المغازل في عملية الغزل وهي من العمليات التمهيدية التي تكمن في خروج الألياف بشكل مبروم ومنتظم حتى تصير جاهزة.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٤٤