29
في شهر فبراير: «وتبدأ النساء بتحضين دود القز حتى تفقص.» فتحضن النساء البزر (الشرانق) لمدة أسبوع بوضعها تحت أثداء النساء وصدورهن، ثم تخرج وتنثر على أوراق التوت المقطعة، فتأكل لمدة ثلاثة أيام، وتسمى تلك العملية ب «الإطعام»، ثم تنقطع عن الأكل وهو ما يعرف ب «التصويم»، وتتكرر هذه العملية أكثر من مرة، حتى يجيء موعدها فيكثر لها العلف حتى تنتج الصلجة أو «الفليجة»
30
وتتم عملية فقس دود القز في شهر مارس وفيه «يتولد الحرير»
31
نتيجة لاعتدال الجو وملاءمة نسبة الرطوبة لها.
32
ومع عملية الفقس تبدأ الديدان في نسج الخيوط حولها، وروعي عند بداية ظهور الخيوط إبعادها عن المياه، وخاصة مياه المطر حتى لا تلين «الفليجة» - الصلجة - وتثقب عن طريق الفراشات ولا ينتج الحرير، وقد ذكر ابن قزمان
33
تعرض دود القز للماء والأمطار في بعض أزجاله. ولهذا كانت تنقل الفليجات (الشرانق) قبل خروج الفراشات إلى الشمس حتى تموت، وتستخلص خيوط الحرير، ثم تترك الفليجات الباقية ليثقبها الدود وتخرج الفراشات لتفقس وتبيض وتستمر دورة حياة «دود القز» مرة أخرى.
34
وتبدأ مدة حياة الدودة من التحضين إلى الفقس تتغير حسب الأقاليم والطقس ما بين سبعة وثلاثين وخمسين يوما، وتصل في الأندلس لستين يوما،
35
ويسمى الحرير قبل أن ينقى من أغراسه «درفس»
36
والمنقى يعرف ب «الإبرسيم» وهو الحرير الخام.
37
ولما كان الحصول على ورق التوت لازما لتغذية دود القز؛ فقد تعاون الكثير من الزراع والصناع بالاشتراك فيما بينهم لإنتاج الحرير، أطلق عليها الفقهاء «شراكة في علوفة الحرير»؛
38
وهو ما أغرى كثيرا من الفلاحين والزراع في بعض الأوقات لبيع أوراق التوت قبل أن تورق على الأشجار لتهافت صناع الحرير ومربي دودة القز لشرائها؛
39
وهو ما أوجد بعض الخلافات والخصومات والجوائح؛
40
فأوجب تدخل الفقهاء لحلها. فعندما سئل الفقهاء عما هو جائز في شركة علوفة الحرير، أجاب بأن يقوم صاحب أشجار التوت باستئجار أحد ليجمع الورق الخاص بحصته في الشركة أو أن يقوم بتربية الدود بنصيب معلوم على أن يكون ذلك منصوصا في عقد محرر بينهم،
41
وأوجز ابن سراج
42
شروط الشراكة في علوفة الحرير بقوله: «الشرط الأول: أن يكون الورق قد ظهر وبدأ صلاحه، الشرط الثاني: أن ينظر إلى الورق ويحزرها ويعلم مقدارها بالحزر والتخمين، الشرط الثالث: أن يشترطا أنهما إن نفد الورق واحتاجا إلى ورق آخر أن يشترياها معا من غير أن يختص أحدهما بشراء دون الآخر، الشرط الرابع: أن يكون العمل معلوما إما بالشرط وإما بالعادة، الشرط الخامس: أن يكون العمل معلوما بينهما على حسب الشركة كما كان الشراء بينها كذلك.» أما عند قسمة لوز الحرير فكان بعضهم يريد قسمته بالوزن أو بالعد، فأوجب الفقهاء أن يقسم بالوزن لأن العد تؤثر عليه الأحجام،
43
كل تلك الخلافات أوجبت كتابة عقود تحفظ وتضمن حقوق الطرفين المشتركين في شركة وزراعة ورق التوت.
وبعدها يدخل الحرير مرحلة الجمع، التي تبدأ من شهر أبريل بجمع إنتاج الحرير من المزارع والقرى قبل أن يرسل إلى دور الطراز، وهو ما يذكره ابن سعد
44
أنه يتم في شهر مايو ويبدأ دخول الحرير في مرحلة التصنيع الفعلي بإصدار الأوامر للمنتجين بأن يسلموا غزلهم إلى دور الطراز، بقوله: «أيام شهر مايو عددها ثلاثون يوما ... وفيه تخرج الكتب في القرمز والحرير والغاسول للطراز.»
ثم تأتي المرحلة الأخيرة من مراحل تصنيع الحرير بإصدار الكتب والمراسيم وإعطاء الأوامر إلى المسئولين عن مراقبة عملية صناعة الحرير والإشراف عليها من قبل المحتسبين والمشرفين، وتتم في شهر أكتوبر، بتسليم الحرير لدور الصناعة لإتمام أعمال الصباغة، فيخبر ابن سعد:
45 «وتخرج الكتب في الحرير والصباغ السماوي للطراز.»