تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36

مصداقا لهذا القول عند حديثه عن صناع الأندلس بقوله: «صينيون في إتقان الصنائع العملية وأحكام المهن التصورية؛ فهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال ومقاساة النصب في تحسين الصنائع.»

وقد شجع حكام الغرب الإسلامي الصناع على مزاولة أعمالهم خاصة إبان الحكم الموحدي (541ه/1146م-668ه/1269م) بعد اتساع نطاق الدولة الإسلامية، وتبادل الخبرات الصناعية بين رحاب الدولة سواء من الأندلس أو غيرها من البلدان في مختلف الصنائع.

37

وسعت السلطة في بعض الأحيان إلى مساعدة عمال وصناع النسيج من فترة لأخرى، فهناك رواية عن ربيع القطان

38

أنه في أوقات الحج كان السلطان بالقيروان يعطي صناع القطن كميات من القطن لغزلها وذلك في وقت محدد وسعر محدد: «يحسبه عليهم بدينارين القنطار، وكان يسوى دينارا ونصف، فطرح علي منه ثلاثة قناطير، فهممت أن أعمله وأهيئ ثمنه وأغزله.»

39

ويفهم من هذه الرواية أن السلطات - في بعض الأوقات - كانت تراعي أحوال العمال ولا تجور عليهم بل تعطيهم أكثر مما يستحقون. (3) النقل ومشاكله

كان للطبيعة الجغرافية أثر في أن يصبح البحر المتوسط من أنسب طرق الاتصال البحري الذي ساعد تجار وسكان الغرب الإسلامي على التنقل والسفر وممارسة التجارة البحرية،

40

وعلى الرغم من ذلك فلم يخل من بعض الصعوبات التي وقفت حائلا أمام تقدم العمليات التجارية فأعاقتها، وكان للرياح دور في البحر المتوسط خاصة في تحديد أوقات السفر منه وإليه؛ فتعذر السفر خاصة في الفترات التي تزداد فيها سرعة الرياح،

41

فساعدت الرياح الشرقية في البحر المتوسط على حركة السفن وساهمت في تنشيط حركة التجارة،

42

التي نشطت في فصلي الربيع والخريف، فيذكر ابن جبير

43

ذلك: «فالمسافرون إلى المغرب وصقلية وإلى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق.» فلهذا اعتمدت الملاحة في البحر المتوسط على التجديف؛ لأن سرعة الرياح بطيئة في معظم أوقات السنة؛ فساد الهدوء خلال فترات طويلة من العام.

44

وكثيرا ما تسبب هياج البحر في تلف السلع والبضائع والأطعمة الموجودة على سطح السفن، بل كان سببا في حدوث التلف في السفن نفسها؛ مما هددها بالغرق؛

45

لأن شدة هبوب الرياح يصاحبها هياج للبحر وسقوط للأمطار والبرد، فكان له دور في فساد البضائع وإلحاق الضرر بالأمتعة الموجودة على سطح السفينة ؛ ما بث حالة من الرعب والخوف في قلوب المسافرين والتجار.

46

ففي خطاب مؤرخ في عام 494ه/1100م، من أحد التجار الأندلسيين بالإسكندرية، يبرهن على أن الأسعار قد تأثرت بعدم وصول السفن التجارية في وقتها، فيذكر كاتب هذا الخطاب أن الحرير ازداد سعره نظرا لتأخر وصول مراكب الأندلس المحملة بالحرير، لعدم توافق الرياح المناسبة للإبحار، وقد استغل التجار هذا الموقف، وأحجم كل من لديه كمية من الحرير عن بيعها، أملا في زيادة السعر.

47

وتأثر ازدياد الأسعار بطول المسافة التي تقطعها القوافل، وبالضرائب المفروضة، وتكاليف الشحن.

48

ومن المشاكل التي تعرض لها التجار خاصة تجار النسيج، الحرائق التي كانت تحدث بصورة خاصة في الأسواق؛ مما يعرضهم لخسارة أموالهم، ففي عام 525ه/1130م، وقع حريق بأحد أسواق مدينة قرطبة، ويعرف باسم «سوق الكتانين»، والتهم هذا الحريق الكثير من بضائع التجار.

49

ووقع حريق في عام 533ه/1138م في سوق مدينة فاس؛ فكانت الخسائر كبيرة، وقد أسفر عن إفلاس العديد من التجار،

50

ووقع عام 607ه/1210م حريق كبير في سوق مراكش، ومشكلة هذا الحريق أنه وقع في الليل وظل مشتعلا حتى الصباح، وقد التهمت النيران معظم ما وجد في هذه الأسواق من سلع وبضائع «وذهبت في لكائنة للتجار الواردين والقاطنين والقاصين والدانين، على الأخطار الجسيمة، ما لا يحصى، وافتقر فيها أمة من ذوي اليسار، وأصبحوا يتكففون الناس حيارى على الأقطار».

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٤