تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

كما يحيط بها عدة سلاسل جبلية تكاد تطوقها، كما انتشرت بها الوديان الخصبة التي تجري فيها الأنهار.

18

وبذلك وجد التنوع في سطح أرض الأندلس؛ فكان له أثره على المناخ، إذ يغلب على الأراضي الأندلسية مناخ البحر المتوسط وهو حار جاف صيفا، دافئ ممطر شتاء،

19

وعلى المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية الجاف بشكل عام، وتسقط الأمطار في النصف الشمالي من الأندلس أكثر من النصف الجنوبي.

20

وكان لتنوع مظاهر السطح والمناخ في الأندلس بهذا الشكل أن أرضها امتازت بالخصب حتى وصفها ابن غالب

21

بقوله: «الأندلس شامية في طيب أرضها ومياهها، بما فيه من اعتدالها واستوائها، أهوازية في عظيم جبايتها، عدنية في منافع سواحلها، صينية في جواهر معادنها، هندية في عطرها وطيبها.» وقال عنها الزهري: «هي أبرك بقاع الأرض وأكثرها نسلا ... ومن بركتها أنه لا يمشي الإنسان فيها فرسخين دون ماء، ولا يمشي ثلاثة فراسخ إلا وجد فيها الخبز والزيت.»

22

وتعددت مصادر المياه في الأندلس متمثلة بمياه الأنهار الكثيرة؛ إذ «يشقها أربعون نهرا»

23

وتكثر فيها العيون والآبار التي لجأ الأندلسيون إلى حفرها في المناطق التي لا تتوافر فيها المياه؛ من أجل تلبية احتياجاتهم وسقي زراعاتهم، فضلا عن غزارة الأمطار الساقطة بكميات كافية للزراعة في بعض جهاتها،

24

فكثرة الأراضي الخصبة مع توافر مياه السقي شجعا الفلاحين الأندلسيين على استغلال أراض كثيرة في الزراعة؛ مما ترتب عليه زراعة أغلب المحاصيل الزراعية في الأندلس.

25

ومن أبرز الملامح الجغرافية للغرب الإسلامي بصفة عامة كثرة الجزر الموجودة به والمطلة عليه، فكان منها جزر كبيرة ومعروفة ومنها صغيرة ومجهولة،

26

فتمتعت كل جزيرة من تلك الجزر بعدة خصائص ميزتها بدرجات متفاوتة عن باقي الجزر كجزر البليار

Baliares

27

التي من أشهرها جزيرة ميورقة، وغيرها من الجزر،

28

وجزيرة صقلية،

29

التي تعتبر من الجزر التي مثلت أهمية كبيرة للطريق البحري بين بلاد المغرب ومدن الغرب المسيحي وبخاصة الجمهوريات الإيطالية، الذي استخدم باستمرار في عمليات السفر والنقل البحري؛ نظرا لقصر المسافة بينهما، فضلا عن وجود العديد من الموانئ الخاصة لإرساء السفن بها للراحة أو التجارة، هذا بالإضافة لأهميتها التجارية التي اشتهرت بها،

30

فكان لموقعها - في وسط البحر المتوسط - أهميته الاقتصادية؛ مما جعلها محط أنظار القوى التجارية، فنشأت حوله قوى حضارية كبرى منذ القدم وتصارعت عليه، وساهم ذلك في إيجاد تسهيلات كبيرة لتجارة الشعوب التي تقع على هذا البحر، ولا يمكن أن يغفل موقع صقلية المتوسط في قلب رقعة اقتصادية موحدة مترامية الأطراف امتدت من الأندلس إلى بلاد الشام.

31

وحصل التجار المسلمون في صقلية على رخص للسفر إليها من أجل أعمالهم التجارية قبل سيطرتهم عليها، ليزاولوا نشاطهم التجاري ضامنين العودة بحرية وسلامة إلى أوطانهم عندما يرغبون، بالإضافة للمعاملات التجارية البحرية بين أوروبا وأفريقيا حتى نهاية القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري، التي بدأت في صقلية وإن كانت محدودة.

32 (2) الأيدي العاملة

من المقومات الرئيسية لقيام الصناعة وازدهارها الأيدي العاملة الماهرة والقادرة على أداء الأعمال الموكلة إليها، فأطلق على من يعملون في الصناعات المختلفة صناعا،

33

واشتهرت العديد من المدن في الغرب الإسلامي بصناعها، كما ذكر ابن أبي زرع

34

أن أكثر الأهالي في عدوة القرويين بفاس القديمة كانوا صناعا، وفي تلمسان كان الصناع فئة كبيرة يعيشون حياة كريمة وينعمون بأوقات لراحتهم، وتونس كان أغلب سكانها من الصناع وخاصة صناع النسيج.

35

واتصف صناع الغرب الإسلامي بالدقة والجد والصبر في أداء أعمالهم، فجاء وصف ابن غالب

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٣