تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

292

ثالثا:

مشاركة أزواجهن في الإنفاق على البيت: يتضح دور نساء الغرب الإسلامي جليا في تلك الأمور التي تتعلق بمشاركة الزوج في تغطية نفقات البيت، فمنهن من أعطت زوجها الغزل ليبيعه للإنفاق على البيت، فتقاسما العمل فأصبحا شريكين فيه،

293

كالقاضي المصعب بن عمران الهمذاني الذي تولى أمور القضاء للأمير هشام بن عبد الرحمن «الرضا» الذي كان يجالس ويشارك زوجته العمل أثناء جلوسها على النول ويصنع لها الخيوط،

294

أو كما فعلت زوجة القاضي عبد الله بن محمد بن مسحور الهواري بغزلها كسوة من القطن لزوجها ليرتديها،

295

أو من اقتات من عمل بناته في الغزل كالمعتمد بن عباد؛ فبعد أن سجن بأغمات عاش مما تنفقه بنته من غزل «واستقر بأغمات، واقتات من غزل بناته.»

296

وكذلك زوجة الشيخ الفقيه أبي بكر بن هذين الذي كان عيشه من غزلها، فيشتري الكتان فتغزله وينسج منه أبدانا، وما يزيد عن حاجتهم يشتري به كتانا.

297

وكغيرهن، تطرقت النساء لأمور الغش والتدليس في عملهن، فمنهن من كانت تدلك الصوف بشحم الخنزير ليلين ويرطب فيصير كالحرير في ملمسه فيباع بثمن مرتفع، كما فعلت نساء مدينة الشاشين «إذا استجارت المرأة منهم الصوف، مشطت الشاة كل صباح، ودهنت صوفها بشحم الخنزير؛ فيلين الصوف، ويأتي كالحرير، فيتخذون منه الثياب.»

298

أو تدلك الكتان بالماء لكي يرطب ويثقل وزنه،

299

أو تخلط الغزل الجيد بنوع رديء، أو تبيع الغزل مكببا.

300

ومن الأمور التي منعت النساء عن عملها عند الغزل أو البيع، الاختلاط بالرجال خاصة في الأسواق؛ لهذا وجب عليهن أن ينتدبن أحدا للبيع أو الشراء نيابة عنهن،

301

كما خصص لهن مكان لبيع غزلهن، ولهن شيوخ معروفون بثقتهم في مخالطة النساء يبتاعون لهن أو يرسلن منتجاتهن إليهم، أو يرسلن منتجاتهن مع سيدات قعيدات كبيرات في السن للسوق لبيع الغزل،

302

كما منعن أيضا من الجلوس في حوانيت الصناع والتجار للبيع أو للشراء،

303

وعلى الرغم من هذا لم يمنع عمل النساء في السوق وخارجه كمن عملت سواقة - الدلالة - تنادي على السلع والأمتعة على المنازل لبيعها وعرضها على النساء.

304

وقد حذر ابن عبدون

305

من مخالطة النساء اللائي عرفن بالبغاء وممارسة الرذيلة، وإبعادهن عن حوانيتهم واللائي لقبن «بالطرازات»، وربما سموا بهذا الاسم؛ لأن هذه النوعية من النساء كن يرتدين الملابس المطرزة والمزركشة بغية إظهار مفاتنهن وإثارة الرجال.

ويبدو أن النساء لم يمارسن الأعمال الأخرى المرتبطة بالنسيج من قصارة أو كمادة أو صباغة أو غيرها؛ لأنها من الأعمال الصعبة التي استلزمت القوة لتأديتها، ولكن من المؤكد أنهن مارسن أمور الغزل والنسج والخياطة، وهي المهن التي تماشت وما أمر به الدين الحنيف، والظروف الاجتماعية من عادات وتقاليد. (6-3) الصبية والغلمان

كما وضح أن الصبية والمبتدئين، عملوا في صناعة النسيج لدى الصناع والتجار،

306

حتى يكتسبوا خبرات معلميهم ويصيروا فيما بعد صناعا معروفين؛ فاستخدمهم الصناع في أمور الغزل والنسج وبخاصة الحرير؛ لأنه من أنواع النسيج الدقيقة ويتطلب نوعا من الرقة والدقة والليونة من قبل الصناع حتى لا تتقطع خيوط الغزل؛ فاستخدمت الصبية والغلمان في هذا الأمر نظرا لملمس أيديهم الناعم، وهو ما يحافظ على خيوط الحرير من القطع.

307

فدفعت النساء - خاصة الفقيرات منهن - أولادهن إلى الصناع المشهورين ليعلموهم أسرار الصنعة بدرجة تؤهلهم فيما بعد أن يكونوا صناعا مهرة، أو دفعوهم لأحد التجار المعروفين ليخبرهم طرق البيع وفنونه، كأبي ميسرة بن نزار أحمد الفقيه الذي أرسلته والدته لأحد تجار الثياب «الرهادنة»، «وكان عنده عدد من الصبيان، فكان يعطيهم سلع الزبائن كي يبيعوها.»

308

وأبي العباس السبتي الذي يعطي نموذجا لإحدى الأسر الفقيرة التي توفي عائلها ويتم أولادها، فحملته أمه لأحد البزازين ليتعلم صناعة يتعيش منها، ولم تكن الأم تمتلك شيئا سوى غزل الصوف الذي تبيعه وتقتات منه،

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٣٩