واتخذ من بعض النساء الماهرات، العارفات بأمور صنعتهن والمتقنات، معلمات ومدربات للصبايا لتعليمهن فنون النسج من غزل ونسج وخياطة وطراز وغيرها، فكانت الصبايا يذهبن لمعلماتهن في بيوتهن يتعلمن الخياطة والطراز، ومثال على ذلك والدة أبي عبد الله محمد بن محمد الربعي «فكانت معلمة للبنات تغزلهن ... فإنهن يغزلن مصليات .»
276
ومنهن من ذاع صيتهن في هذا الشأن واستمرت تعلم وتدرب الأطفال لمدة ثمانية أعوام،
277
أو إحداهن طالبها الناس بأن تنشئ مكانا لغزل النسيج لجودة غزلها ودقته، حتى إن أخاها لم يلبس إلا من إنتاجها.
278
ويتبين من هذا أن أعمال الغزل للنساء احتضنتها منازلهن في أغلب الأوقات؛ لأن المحتسبين والفقهاء أوصوا بذلك الأمر منعا للفتنة،
279
بالإضافة إلى أن بعضهن كن يغزلن في البوادي خلف قطعان الماشية والأغنام، كما كانت تفعل نساء جبل بني منصور من بلاد المغرب، فكن يخرجن خلف الغنم لممارسة أمور الغزل.
280
ومدحت المرأة لإتقانها أمور الغزل والنسج، وهو ما نطقت به أمثال العرب: «نعم لهو الحرة الغزل.»
281
وهو ما أكده رسولنا الكريم
صلى الله عليه وسلم : «نعم لهو المؤمنة في بيتها الغزل.» وما أكدته أمثال العامة في بلدان الغرب الإسلامي: «كل مر، تغزل أمك جر.» أو «كلما قلبت غزلي، لطمت صدري.» و«معها غزل، وعليها غزول.»
282
ويرجع السبب في ذلك إلى أن النساء كن يتقن مهنة الغزل بشكل دقيق كنسوة تونس ومكناس اللائي اشتهرن بغزل الصوف والحرير والقطن وأخرجن قطعا فنية غاية في الدقة والجودة،
283
فبعضهن كن يقررن ويقدرن وزن وقيمة الغزل قبل البدء في غزله ونسجه بمجرد النظر إليه نتيجة لخبرتهن،
284
لهذا عملت النساء بنسج الثياب والطراز حسب ما يتماشى مع النسق والاتجاه العام داخل المدن والقرى بتوجيه من التجار أو الزبائن أصحاب الثياب، كما صنعت نساء جبل زهون من بلاد المغرب «وتنسج النسوة فيه أقمشة صوفية مصنوعة حسب طراز البلاد».
285
فانقسم دور النساء في صناعة النسيج في بيوتهن إلى:
أولا:
الإنفاق على البيت: فبالنسبة للنساء الفقيرات اللائي احتجن للمال، واضطررن للعمل، كن يغزلن النسيج مقابل أجر ووقت معلومين؛ ما جعلهن ملتزمات بالوقت لاحتياجهن للمال، حتى إنهن لم يتوقفن عن العمل في أوقات الصيام خلال شهر رمضان لتوفير نفقات بيوتهن والمحافظة على مصدر رزقهن، ومن ثم فقد أخذن الرخصة من الشيوخ لصحة صومهن، وخاصة من يغزلن الكتان ويضعنه بأفواههن، فأباح الشيوخ صومهن، وذلك على حسب نوع الكتان أو النسيج المستخدم،
286
أو أنهن كن يطرحن الغزل للبيع من أجل الإنفاق على البيت، كما فعلت جارية أبي عمرو ميمون بن عمرو، فكانت تغزل وتبيع غزلها وتنفق عليه من ذلك،
287
أو لجأن لتغطية نفقات المنزل من مأكل ومشرب وغيره،
288
كما كانت تصنع عائشة بنت الشيخ أبى موسى عمران الحاج سليمان المنوبي التي عرفت بالسيدة المنوبية؛ فغزلت الصوف وأصبح مورد رزقها، أو من تركها زوجها للجهاد ولم يكن لديها عائل فعملت في الغزل والنسج في بيتها، كزوجة بكار المرواني التي أبت مساعدة أحد لها، فغزلت وباعت غزلها لنساء البلدة اللائي تخصصن في هذا الأمر فقالت: «فلنا من العجائز من ينظر في حالنا ويبيع غزلنا ويتفقد أحوالنا.»
289
أو كالتي دفعت غزلها إلى أحد الشيوخ ليبيعه ويشتري لها لعدم قدرتها على الخروج لبيع الغزل، أو أنها تعففت عنه.
290
ثانيا:
ما تعلق بالإنفاق على أولادهن: فبعض نساء الغرب الإسلامي كن يغزلن ويخطن الثياب لأولادهن؛ لتوفير النفقات ولاستغلال أوقات فراغهن،
291
أو عمل أولادهن بأمور النسيج فتغزل الأم ويبيع الأولاد في السوق، وبذلك يشترك كل من الأم والأولاد في عملية إعداد النسيج ومن ثم بيعه، كما حدث بالنسبة لأولاد «استأجروا أنفسهم في غنم يرعونها يتخذون من صوفها بغير إذن أربابها؛ فما اجتمع عندهم من ذلك أعطوه إلى أمهم فتعمله لهم ثم يبيعونه في السوق.»