255
ومن الصناعات الأخرى صناعة الحصر، وأطلق على صانعيها الحصارين،
256
منهم أبو عمر الحصار (ت429ه/1037م)، والفقيه أبو عمران المارثي «فكان يعمل الخوص بيده في خلوته، ويبيعه ويتصدق منه؛ لأنه كان يرى كراهية البطالة عن شغل لمثله.»
257
وكذلك عروس المؤذن الشهيد كان يتعيش من عمل الحلفاء،
258
كما عمل محمد بن سحنون المصري (ت705ه/1305م) بالحلفاء وتقوت منها،
259
ومنهم من عمل بالصناعات الثانوية للنسيج كأبي الغصن السوسي الذي عمل في صناعة الغرابيل، وتعايش منها واقتات.
260
وأطلق أهل الأندلس على صانع القلنسوة القلاس،
261
فهذا محمد بن عيسى بن رفاعة الخولاني أبو عبد الله (ت337ه/958م) من أهل رية، يحيى بن نجاح أبو الحسين، مولى جعفر الحاجب الفتى الكبير، مولى الحكم بن عبد الرحمن المستنصر من أهل قرطبة (ت422ه/1030-1031م) عرف بابن القلاس وتوفي بمصر.
262 (6-2) النساء
أعطى الإسلام للمرأة المسلمة حرية كاملة في التصرف في أملاكها، وجعل لها ذمة مالية منفصلة بعيدة عن زوجها، ولم يمنعها من ممارستها لبعض الأعمال والمهن التي لم تخرج عن إطار الدين الحنيف، وهو ما أيده ابن حزم
263
في أن النساء يساهمن في النشاطات الصناعية «فمن النساء الطبيبة والحجامة والسراقة والدلالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمستخفة والمعلمة والصناع في المغزل والنسيج.» فكان النسيج من بين تلك الصناعات التي دارت في فلك المبادئ والشريعة الاقتصادية للإسلام وبرعت فيها النساء بصفة خاصة.
264
ومن المفيد الإشارة إلى أن بعض الحرف لم تقتصر على الرجال فقط، بل شارك فيها عدد كبير من النسوة فاحترفن أغلبهن الغزل والنسج،
265
فبرزت - المرأة في الغرب الإسلامي - في ممارسة أعمال الغزل والنسج للصوف والقطن والكتان بالإضافة إلى تربية دودة القز لإنتاج الحرير،
266
في حين يرى البعض أن حق المرأة في ممارسة العمل في بلدان الغرب الإسلامي، وبصفة خاصة في أعمال الغزل والنسج، مثبت وظاهر أكثر من أي مكان آخر،
267
على عكس النساء الغازلات في مصر وبخاصة اليهوديات، فتطلب منهن العمل داخل منازلهن مع أخذ رخصة من السلطة تبيح لهن العمل بمنازلهن حتى تستطيع السلطات تقدير الضرائب المقدرة عليهن،
268
فقلما حدث هذا داخل مجتمع الغرب الإسلامي، فقد حدث لامرأة من غرناطة تبيع الحرير أن تعرضت للتهديد والضرب بالسياط في حالة عدم دفع ما عليها من ضرائب؛ فأباح العلماء عدم الإكراه والتهديد والإجبار في أخذ الضرائب وبخاصة من النساء.
269
فوجد النول والمنسج في معظم بيوت الغرب الإسلامي؛ نتيجة لملاءمة تلك المهنة لطبيعة المرأة وجلوسها لفترات طويلة داخل منزلها؛ فلجأت إليه لقضاء أوقات فراغها من جهة، ومن جهة أخرى للمساعدة في نفقات البيت والأولاد والزوج عند افتقاد العائل أو الاحتياج للمال،
270
وهو ما دفع البعض لأن يطلق على هذا الوضع الصناعي للنسيج ب «دولة النساء» نتيجة لارتباط أعمال النسيج ومتعلقاته بطبيعتهن،
271
أو كما اصطلح على تسميته في بعض بلدان المغرب الإسلامي ب «التويزة» التي تعني باللهجة المغربية العمل المشترك أو الخدمة المشتركة، وهي أن النساء كن يخرجن لمجالس يغزلن فيها لامرأة منهن في منزلها؛ ما تدعوهن هي لغزله من كتان أو صوف إعانة أو رفقا،
272
أي أن نساء الغرب الإسلامي كن يتشاركن في الغزل بمراحله المختلفة.
بالإضافة لذلك كن يلجأن إلى استلاف واقتراض المواد الخام من الجيران لإكمال الغزل المطلوب منهن «إلا أنه أعوزني شيء من الصوف فطلبته من جارة لي فكملت به الكساء.»
273
فلهذا اتسم النسج النسائي بالطابع العائلي، بينما نسج الرجال اتسم بالحرفية والمهنية والتنظيم.
274
ويذكر ابن حزم
275
أنه في بعض الأوقات كان النساء يرغمن على عمل الغزل للحفاظ عليهن وصونهن فيقول: «وقرأت في سير ملوك السودان أن الملك منهم يوكل ثقة له بنسائه يلقي عليهن ضريبة من غزل يشتغلن بها أبد الدهر؛ لأنهم يقولون: إن المرأة إذا بقيت بغير شغل إنما تتشوف إلى الرجال، وتحن إلى النكاح.»