220
ومنهم من يقوم بتوسيع فتحة أطواق الثياب؛ فوجب عليهم استخدام خيط الحرير الغليظ ليقاوم الشد والجذب أثناء الخياطة؛ لهذا أمر الفراءون بأن تكون الخياطة جيدة وضيقة الغرزة،
221
أو بحشو وتبديل الفرو القديم بالجديد؛ لذا كان عليهم عريف منهم لمراقبتهم وتفقد أمورهم.
222 (5-12) الحصار
الحصار وهو صانع الحصر، وللحصارين عريف أو أمين خاص بهم يختار من الصناع المهرة، كما كان في بلدان الغرب الإسلامي،
223
واستخدمت الحصر في فرش الجوامع والمساجد في تونس، وصنعت من «سعف رفيع محكمة الصنعة» ففرش بها جامع الزيتونة،
224
وتصنع الحصر من الحلفاء، فلجأ بعضهم لصنعها من الحلفاء القصيرة بعد أن تطبخ الحلفاء بغرض خداع المشترين بأنها مصبوغة وجيدة، وهو ما عرضها للقطع والتلف؛ فوجب على الحصارين إجادة وتحسين الخياطة في الحصر أو البرغ، بأن يأخذوا لويتين أو ثلاث لويات من الحبال من اليمين والشمال حتى يشتد الحبل فلا تكون هزيلة، ومنهم من يقصر الحصر ليوفر الحبال،
225
وفضل أن تكون تلك الحبال من غزل الكتان وبخاصة الخيوط المعتدلة منها وبطريقة جيدة، فلا تكون «مثل الغربال، وهو أبيات أعلاها مائة، وما دونه تسعون، وما دونه ثمانون، وما دونه سبعون، وما دونه ستون.»
226
ومن الحصارين من يصنع الحبال والأربطة،
227
فصنعوا الحبال من الليف أو الخوص كحبال القلس وهي حبال استخدمت في السفن.
228 (5-13) صانع الغرابيل
صنعت الغرابيل من الحلفاء ومن الشعر أيضا، وعرف صانع الغرابيل بالغزال، ووجب صنعها من الشعر بأن تغسل جيدا، وألا يستخدم شعر الحيوان الميت؛ لأنه خشن ويتقصف بشكل سريع،
229
ويسمر حديد المغازل ويشد خياطته حتى لا تنحل ويصير الغربال معوجا،
230
ووجب عليه تنظيم الخصاصات وهي فتحات وثقوب الغربال،
231
وفي قرطبة استقر صناع الغرابيل بالقرب من المسجد وبخاصة في سوق «بلاط مغيث».
232 (6) فئات صناع النسيج في مجتمع الغرب الإسلامي
مارست فئات عديدة من مجتمع الغرب الإسلامي النسيج؛ فاشتهر بعضهم بمزاولته في مراحله كافة من تصنيع وبيع وتجارة، خاصة ممن عاصر فترة الدراسة وما قبلها من الأئمة والعلماء من مشاهير وأعيان ونساء وصبية ممن أشارت لهم كتب التراجم والسير والمناقب والنوازل. (6-1) فئة العلماء
عمل بالنسيج الكثير من العلماء؛ لارتباط تلك الصناعة بأمور الزهد والتقشف ورغبتهم في الحصول على قوت يومهم من صنع أيديهم؛ فزاولها المتصوفة في بلدان الغرب الإسلامي،
233
كالعالم ظاهر بن يزيد الزاهد من أهل قرطبة، فكان قزازا يبيع القز ويصنعه.
وقد انتسب للقطن من عمل به وتاجر فيه، ومنهم قاسم بن مطرف بن عبد الرحمن أبو محمد من أهل قرطبة، كان يعرف بالقطان،
234
كذلك ربيع القطان فقد امتلك حانوتا لبيع القطن، ومحمد بن سليمان ابن أحمد أبو عبد الله (ت419ه/1028م) من أهل إشبيلية عرف بالقطاني، وأبو جعفر حمديس القطان عمل في القطن وكان يبيعه في السوق، وأبو عمران موسى كان حلاجا، وأبو الربيع سليمان بن عبد الرحمن بن المعز الصنهاجي المعروف بالتلمساني احترف النسج وأقام بسلا، كذلك أبو الحسن علي بن عبد الله القطان المعروف بابن الحلاج الذي ورث حانوت قطن عن والده، فعمل في ندف القطن حيث يذكر «كنت أعمل القطن، فنتفرغ من العمل بالعشي؛ فيضيق الوقت، وكانت نوالات بنيت غصبا على وادي القصاري.»
235
ومن هؤلاء الذين عملوا بالكتان وانتسبوا لصنعتهم به، أبو عمرو هاشم بن مرور التميم فكان يشتري الكتان ويوزعه على الفقراء والأرامل.
236
ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء من عمل في هذا المجال كالرفاء والمطرز، منهم عبد الرحمن بن يوسف بن نصر من أهل قرطبة كان رفاء يرفأ الثياب ومنها يتعيش.
237
وتأتي الخياطة ضمن تلك المهن التي انتسب إليها عدد من العلماء، كالوليد بن سعيد بن وهب الحضرمي الإشبيلي أبي العباس (ت419ه/1028م) الجباب، والجباب هو من يبيع الجباب ويخيطها، فعرف بها وعمل بالخياطة بمراكش، وعمل أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الصنهاجي (ت592ه/1195م) في حياكة الجبب، وكذلك أبو محمد عبد الله الشريف الذي عمل بالخياطة «فكان يأكل من كد يده من الخياطة وبعض التجارة وكان بسوق الصوافين من بجاية.»