183
ويحصل الغسال على عمله عن طريق الخياطين، يرسلون إليه الثياب لغسلها بعد إتمام خياطتها بناء على طلب أصحابها، أو يتجول الغسال بين الأحياء والشوارع والبيوت مناديا على الثياب الوسخة، لأن كثيرا ممن لم يكن لهم خادمات في بيوتهم أعطوا الغسال ثيابهم لغسلها، حتى إذا تجمعت لديه كمية تكفيه ويستطيع غسلها يذهب بها لأحد الأماكن المخصصة لذلك، أو يذهب بها لأحد المجاري المائية لغسلها، وأجرت تلك المواضع في كثير من الأحيان إلى الغسالين بمقابل مادي، سواء من قبل السلطة أو من المسيطرين على تلك الأماكن.
184
وتتم عملية الغسل على أكثر من مرحلة، فكلما فرغ من جزء نشره على حبال أو على الجدران، ثم يكمل ما تبقى لديه، وفي كثير من الأحيان تعرض الغسال للسرقة إما عن طريق سرقة قطع الثياب أو سرقة الحبال بما عليها من ثياب،
185
وكثيرا ما تحمل الغسال قيمة الأثواب التي تسرق منه أو التي تستبدل أو تغالط.
186
واستخدم الغسال عددا من العمال الأجراء لمساعدته في عمله يأخذون الثياب ويذهبون بها إلى البحر لغسلها، واستخدم عددا من الأدوات التي تساعده على ذلك من أوان ودسوت،
187
بالإضافة للمواد التي تساعده على تنظيف ما علق بالمنسوجات من أوساخ، فاستخدم الأشنان في إزالة الدهون من على الحرير،
188
كما استخدم الأترج في إزالة الحبر، واستخدم اللبان الحار لإزالة الشمع من على الطراز، واستخدم الأشنان وخل الخمر في إزالة السواد من الثياب، واستعملوا أيضا العديد من المواد لإزالة ألوان الصباغة باستخدام حب الرمان والكبريت والصابون، بالإضافة للعديد من الطرق لغسل المنسوجات الرفيعة والثمينة كالشاش والشرب للمحافظة عليها، فكان لدقة الغسال في تأدية عمله وإخلاصه بعد غسله للثياب يجد صاحبها صعوبة في التعرف عليها من نظافتها كغسالي فاس التي كان بها مائتا دكان لهؤلاء الغسالين.
189 (5-9) الكماد
الكمادة هي تغير اللون وذهاب صفائه وبقاء أثره، والكمدة هي تغير اللون،
190
وكمد الثوب أي دقه بصقال الكمد، وهي مرحلة تأتي بعد الغسل والقصر، وتشترك الكمادة والقصارة في نفس الوظيفة، فلهذا خلط العامة بين أدوات القصار وأدوات الكماد، وأطلق على الخشبة التي استخدمها القصار مكمدة في حين أنها مقصرة،
191
فأكمل القصار والكماد كل منهما الآخر في العمل، فأشار البعض بأنها حرفة واحدة، وأمر أصحاب النسيج «القصار أن يدفعه بعد كمال عمله للكماد.»
192
في حين أشار بعض الفقهاء إلى أن القصارة حرفة والكمادة حرفة أخرى، وهو ما أشار إليه البرزلي
193
بأن «الكمادين والقزازين يجعلون النشا في الكمد.» هو ما يوضح استقلالية الكمادة وأنها حرفة بذاتها.
وخصص للكمادين بمدينة تونس حي بالقرب من باب قرطاجنة عرف بحي الكمادين يعملون فيه بالأجرة،
194
في حين الكثير من سكان صفاقس كانوا من القصارين والكمادين.
195
ومن اللافت للانتباه أن أصحاب الثياب شاركوا الكمادين في تكميد ثيابهم «وإن كمد الكماد الثوب وكمده معه صاحبه فأصابه خرق، فإن كان من كمد صاحب الثوب فلا ضمان على الكماد.»
196
وهذا لم يمنع قصاري النسيج من التدليس والغش في صنعتهم؛ مما دفع الفقهاء والمحتسبين إلى مراقبتهم ومحاسبتهم، كعدم استخدام النشا في الكمادة لأنه يظهر النسيج في حالة على غير حالتها فتبدو جديدة «كمعالجة الثوب القديم بالقصارة ومع الكمد يوهم ذلك أنه جديد.»
197
وما عرف بتبليط الشقق «فكان التبليط جائزا إن لم يكن فيه - نشا - من العلوك وما في معناها مما يغتر به المشتري؛ فيظن أن ذلك من صحتها مما خالطها مما يسد عيونها.»
198
ووجب على الكماد تكميد الثياب بشكل جيد؛ كي لا يكون الثوب «مخلخلا ويتصفق».
199
وتنظيف الثياب مما يعلق بها، وتمييزها وتقسيمها حتى لا تخلط مع غيرها فتضيع أو تتبدل.