144
ولجأ بعضهم لعقد اتفاق مع الخياط ليسرع في خياطة ثوبه بإعطائه أجرا مضاعفا «تعطيني الثوب بعد غد ولك ثلاثة دراهم.» أو يستأجره لمدة معلومة لعمل ثياب، ويشترط عليه ألا يصنع لأحد غيره وله الأجرة مقدما،
145
أو يعطيه ثوبا ويطلب منه أن يخيطه قميصا، والزائد منه يأخذه،
146
كل هذا على سبيل التحفيز للخياط لإنجاز العمل الموكل له، وفي حالة إخلاله بعمله كان يعرض في بعض الأوقات للعقوبة والمساءلة لعدم التزامه بوعده، وأمر الخياطون بأن تكون أجرة الخياطة متناسبة مع ثمن الثوب، بحيث لا تتعدى الأجرة ثمن الثوب؛ لأن هذا فيه إخلال. كما نهي الخياطون عن خياطة ثوب امرأة تعرف بالبغاء، والمتبرجة من النساء، وكذلك للمكاس وغيره ممن تشوبه سمعة سيئة،
147
هذا فضلا عن عدم خياطة أثواب الحرير للرجال.
148
ووجب على الخياط المحافظة على سلامة حانوته أو منزله ومقر صنعته من السرقة أو الحريق؛ لأنها عرضة للحريق أو السرقة أو ضياع أو إتلاف الثياب،
149
وبالنسبة للنسوة اللاتي اعتدن أن يخطن بأنفسهن فكانت منازلهن مقرهن الدائم وبخاصة الفقيرات منهن، فكن يخطن ثياب أهل بيتهن، أو يفضلن قضاء وقت فراغهن في الخياطة.
150
وعلى الرغم من كل هذا فكانت الوضعية الاجتماعية والمالية للخياطين كسائر طبقات الصناع، فمنهم من عانى من الفقر الشديد وعدم القدرة على الإنفاق على أسرته، كأحد الخياطين كان «يخيط بالربع، فتزوج امرأة على أن ينفق عليها من صنعته، ثم طلقها، ثم طلبت نفقتها؛ فادعى فقره.»
151
وبعضهم اضطر للعمل داخل المساجد أو أعلى أسطحها لعدم قدرته على امتلاك حانوت خاص به، كما فعل بعض خياطي تونس؛ إذ لجئوا إلى الرواق الشرقي بجامع الزيتونة بأعلى سطحه؛ مما دعا السلطة لاستغلال تواجدهم بالأعلى بصفة مستمرة في مراقبة المنطقة المحيطة بالمسجد.
152 (5-7) القصار
القصارة هي عملية بل وغسل الغزل من الحرير أو الكتان أو الصوف أو القطن،
153
ونشره، فإذا جف أعيد عليه بالماء حتى يبيض وينقى بإزالة «الوسخ والدنس واللييس والغلظ»، والقصارة تمر بعدة مراحل، ووجدت أفران (الكوش) خاصة لغلي الغزل بمدن الغرب الإسلامي، كالتي كانت خارج مدينة فاس؛ لأنها من الأماكن الباعثة للروائح الكريهة وغير المستحبة،
154
وعلى القصار عند مباشرة عمله ألا يقصر بماء نجس غير طاهر، ولا يبسط الغزل أو القماش على أي شيء نجس، ولا يمشي عليه بأقدامه تجنبا للنجاسة.
155
وتتم عملية القصارة على عدة مراحل؛ فمثلا قصارة الحرير، تبدأ بوضع القصار قدرا من النحاس (القصرية) على النار ويملأ بالماء، فإذا بدأ بالغليان رميت فيه قطع الصابون الصغيرة التي تجرد بالسكين، حتى ينحل الصابون ويغلي، وبعدها يضع القصار القماش المراد قصره ويقلب بواسطة قضيب خشبي يوضع بين لفات القماش حتى لا تتداخل بعضها في بعض، ويقلب من أعلى إلى أسفل والعكس، وبعد أن تنظف ينزل القدر عن النار ويخرج القماش ويغسل بالماء العذب غسلا جيدا، ثم يمشي القصار بقدميه على القماش من أجل أن يصل إليه الماء بشكل جيد.
156
وقد يستعجل بعض القصارين عملية القصر باختصار بعض مراحلها، ما يعرض الغزل إلى الهدر والتلف،
157
أو باستخدام بعض المبيضات التي تفسد الغزل أو الثياب المراد قصرها كالكبريت،
158
أو روث الحيوانات،
159
أو الجير غير المطفى؛ فيتسبب في حرق الثياب،
160
ولكن أفضل ما استخدم لتبييض الغزل الرماد، فلم يسلم من الغش؛ لهذا كثيرا ما تعرض بائعوه للمساءلة من المحتسبين.
161
وبعد عملية القصارة يدخل الغزل مرحلة جديدة وهي مرحلة العصر والتجفيف؛ لأنه لو ترك الغزل مبلولا لفترة طويلة أصابه التعفن، فتجفيف الغزل يتم باستخدام المفتل، وذلك بلي الغزل وعصره، وكثيرا ما أصيب الغزل بالوهن وإضعاف خيوطه،