تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

124

ونصح خياط ابنه بقوله: «يا بني لا تكن كالإبرة تكسو الناس وأنت عريان.» أو كالذي سأل أحد الخياطين عن حرب شهدها فوصفها بمفردات صنعته بقوله: «لقيناهم في مقدار الخلفان، فصيرونا في مثل قوارة، فرحنا عليهم من وجهين كأنا مقراض، واصطفت الصفوف كأنها دروز، وتشابكت الرماح كأنها خيوط، فلو طرحت إبرة لم تقع إلا على زر رجل.»

125

واختلفت أنواع الخياطة ما بين درز وهي الدقيقة الضيقة، وشل وهي الواسعة الخفيفة،

126

وعلى الخياط أن يحرص بأن تكون الإبرة - أو كما أطلق عليها العامة الميبر أو المئبر

127 - دقيقة وضيقة الغرزة، والخيط المستخدم يكون قصيرا؛ لأنه إن طال انسلخ وانقطع فتله فتضعف خياطته، ولا يخيط بفرد خيط واحد وإنما يخيط بخيط كامل مفتول حتى تقوى الخياطة ولا تتفتل وتضعف،

128

لهذا وجب على الخياطين اختيار الإبر الجيدة الصنع خاصة المصنعة من الفولاذ، لأن إبرة الخياطة تسن ثلاث دفعات وتصقل، وأحسنها المدورة العين.

129

وكان على الخياط أن يجود تفصيله للثوب ويحسن فتحة الجيب، وكذلك سعة التخاريص - وهو ما يزيد من عرض الثوب تحت الكمين - ويجعل الكمين معتدلين والذيل مستويا،

130

فمنهم من يقص الثوب ويخرطه بقدر كبير ليصير ضيقا في الخواصر، أو يكون جزءا أكبر من الجزء الآخر وهو من عيوب الخياطة، كما لجأ بعضهم إلى حشو أكمام وكف الثوب بالرمل، خاصة أثواب الخز؛ لأنها من الأثواب التي توزن قبل وبعد الخياطة، لتصير ثقيلة الوزن فيسرق منها بقدر الوزن.

131

ووجب عليه أيضا أخذ رأي صاحب الثوب في طريقة الخياطة المطلوبة، لو أن طريقة الخياطة تنقص من قيمة الثوب بعد إتمامه، ويعطي لصاحب الثوب تصورا للطريقة والأسلوب الذي يريد الخياطة بها إما بالوصف، أو يعطيه ثوبا يصنع مثله،

132

وتعين على الخياط أن يقدر أجرته قبل بداية العمل، وخاصة الثياب الثمينة كالديباج والحرير، على أن يأخذها وزنا لأن هذه النوعية من الثياب تؤخذ وزنا وليس قياسا؛ لغلو ثمنها،

133

وأن يتحرز عند القياس والقطع، لأن كثيرا من الزبائن كانوا يفوضون الخياط بأن يقطع القياس المناسب على أن يكفي لعمل ثوب بقدر لا يزيد ولا ينقص، وإن لم يكف فكان الخياط يتحمل ثمن الثوب عقابا له على عدم تقديره في القطع،

134

كما لجأ بعض الخياطين لأخذ ما تبقى من خرطات وقصاصات الثياب ليستكملها في ثوب آخر دون علم صاحبها؛ فتعين على الخياط أن يجمع قصاصة الثوب فيحفظه عند طيه للثوب ويعطيها لصاحبها،

135

أو بعمل الطواقي والأقباع من الثياب والخرق الملبوسة، بعد أن تغسل وتصقل حتى تصير كأنها جديدة، فتباع بسعر الجديد أو بما يقاربه، فإذا غسلت تقطعت وتمزقت وهو من باب الغش،

136

أو برقع الثياب؛ لهذا كان يشترط أصحابها رؤية الرقع قبل الخياطة،

137

وحرص على عدم ضياع الثوب حتى لا يقع الضمان عليه، فلجأ الزبائن للف الثياب المرادة خياطتها في قطعة قماش - منديل - حتى تكون معروفة ومميزة خاصة الثوب الغالي الثمن.

138

ومن عادة بعض الخياطين المماطلة وعدم الالتزام بالمواعيد في إنجاز العمل حتى يتردد الناس عليهم باستمرار،

139

بأن يقول لصاحب الثوب: «يفرغ ثوبك بعد ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر ثم لا يفي له بذلك.» وهو ما نهى عنه

صلى الله عليه وسلم

بقوله: «ويل للصانع من غد وبعد غد، وويل للتاجر من تالله وبالله.»

140

فوجب عليه الانتظام في عمله بأن يبدأ بالأول فالأول، ولا يقدم أحدا على آخر.

141

وفي الأوقات التي كثرت فيها أعمال الخياطين، وخاصة المعروفين منهم، لجئوا لإعطاء الثياب لأحد من غلمانهم أو صبيانهم ليخيطها،

142

أو يستأجر خياطا آخر على أجر معلوم «ويأخذ على خياطته درهما»؛ لذا اشترط الزبائن عليهم بأن يخيطوها بأنفسهم ولا يعطوها لأحد،

143

وفي بعض الأحيان اعتاد الناس إعطاء الثياب دون شرط أو قيد في أجرة أو وقت، ويدفعون لهم ما يطلبون لثقتهم فيهم وجودة إنتاجهم، خاصة لأهل الثقة من الخياطين.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٣٠