105
وحدد السبكي
106
للحائك معايير يتبعها في عمله بقوله: «ومن حقه ألا ينسج ما يحرم استعماله، ويجوز جعل طراز من حرير، بشرط ألا يجاوز قدر أربع أصابع.»
واستخدم الحائك بعض أدوات لإتمام عمله كالحجر الأسود الخشن لتنقية شقق الثياب من القشور، والموازين والأرطال لوزن الغزل بعد إتمامه العمل أو عند استلامه من الزبائن، والجرن وهو عبارة عن إناء عميق بقدر أن يوضع فيه الغزل والثياب لتغسل أو تفرك لإزالة الشوائب والعوالق التي بها، وصنع في العادة من الحجر، ويوضع خارج موضعه، ويغطى بأغطية من الخشب حتى لا تقصده الحيوانات لا سيما الكلب للشرب فينجس الماء، وفي حالة عدم تغطيتها وجب أن «تغسل بالتراب سبع مرات لتنظيفها.»
107
وعملية صنع وتجهيز الثياب تتم على حسب رغبة الزبائن، ففي البداية يقوم الحائك بتنقية الغزل، ثم يحدد الأطوال والمقاسات للثياب المراد صنعها،
108
وبعد تحديد القياس وجب عليه أن ينسج الثوب المصطحب وهو الثوب غير معقد الخيوط، ويزيل تلك الخيوط الغليظة التي لا تتماشى مع النسج؛ كي لا تفسده وتقلل من قيمته، وكذلك المحافظة على قوة الخيوط أثناء النسج كي لا تقطع فوجب عقدها وليس فتلها؛ لأن ذلك يضعف الخيط والثوب،
109
ما استوجب عليه الحذر عند أخذ تلك الأطوال كي لا يفسد الغزل ولا يتحمل ضمانه، وقد حدث أن تعرض الحاكة لبعض الخلافات ومنها أن ينسج الثوب على قياس خطأ فيقول أحدهم: «أمرتني بأن أنسج ثوبك ثلاثا في ست، وقال ربه: بل تسعا في أربع.»
110
أو «أراد صاحب الثوب أن ينسج غزله سبعا في ثمان فنسجه ستا في سبع.»
111
وكان على صاحب الغزل أن يسلم الحائك الغزل وزنا ويستلمه بالوزن، وذلك بعد غسله تجنبا لأمور الغش والتدليس؛
112
لأن الغزل الذي لا يغسل يصبه العفن؛ فوجب على الحائك أو صاحب الغزل غسله، وهو ما أشارت إليه أمثال العامة في تحذيرها من هذا بالقول: «كل شيء يهون، إلا الغزل المعفون.» فلا ينفع في بيع ولا شراء ولا حياكة.
113
ونصب للحاكة عريف منهم «طاهرا مأمونا بصيرا بما يجري من الخطأ والتدليس.»
114
للمراقبة والإشراف لمنع إهدار الوقت والإهمال في أمور الصنعة - في بعض الأحيان - وتفقد أمورهم، ويلجأ إليه عند وقوع الخلافات، مثلا: أن يدعي صاحب الغزل أن الحائك قد أبدل غزله وأعطاه بدلا منه،
115
أو يدعي أن الثوب قد بغرض المساومة والسرقة،
116
كما نهى العريف الحاكة عن استخدام نثر الدقيق أو ماء الخبز أو النشا أو الجير المشوي أثناء الغزل؛ لأنه يداري عيوب النسج؛ ما اعتبر نوعا من أنواع الغش والتدليس،
117
فوضع بعض الغرامات على من يغزل وينسج الغزل المنقوض.
118
وعن أجرة الحاكة فقد اختلفت من حائك لآخر حسب جودة إنتاجه ودقة نسجه بالإضافة لخبرته وشهرته بين الناس؛ فبعضهم حصل على أجرته مقدما؛ ما جعله يتكاسل في الانتهاء من نسج الثياب،
119
أو يحصل على أجرتهم بطريق مشاركة صاحب الغزل في الغزل إذا «قيل للحائك اقطع ما زدت وخذه لنفسك، وادفع قيمة الغزل ما لم يكن في القطع ضرر؛ فيخير صاحب الغزل بين إعطائه أجرة مثله في نسجه أو يشاركه في الثوب.»
120
أو يذهب أحد الزبائن إلى حائك ويجده ينسج ثوبا ولم ينته من عمله فيريد أن يأخذه منه ويعطيه ثمنه.
121
ونتيجة لكثرة الأعمال الموكلة للحاكة استخدموا الكثير من العمال والأجراء والصبية لمساعدتهم في أعمالهم، ففي بعض الحالات - وإن قلت - استخدم أحدهم نحو خمسين عاملا، في حين الغالب على معظمهم ما بين خمسة أو ستة عمال ومبتدئين.
122 (5-6) الخياط
اتسم خياطو الغرب الإسلامي بقدر كبير من الحرفية والمهارة في أمور صنعتهم، نظرا لتبادل الخبرات الحرفية مع غيرهم من الصناع، فكان بمدينة تونس في عام 690ه/1289م سبعة خياطين من مدينة جنوة،
123
ما يعطي صورة عن الرواج الصناعي والتجاري لتونس خلال تلك الفترة من خلال وجود العديد من الصناع، وبخاصة صناع النسيج؛ لأن أسلوب وطريقة الخياطة تختلف من بلد لآخر، كطلب أحدهم من خياط بأن يحل أكمام جبة بقوله: «إن المستنصر خلع علي جبة جربية من لباسه، وتفصيلها ليس من تفصيل أثوابنا بشرق الأندلس، وأريد أن تحل أكمامها، وتصيرها مثل ملابسنا. فقلت له: وكيف يكون العمل؟ قال: تحل رأس الكم ويوضع الضيق بالأعلى والواسع بالطرف. فقلت: وبم يحير الأعلى؟ فإنه إذا وضع في موضع واسع سطت علينا فرج، ما عندنا ما يصنع فيها إلا أن رقعنا بغيرها.»