تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن الواضح أن شركة الأبدان لم تكن موافقة لأحكام الشرع بشكل دائم، واعتبرها الفقهاء شركة فاسدة بسبب اختصاص البعض بالعمل وبالسلف وهو ما أفسدها.

75 (5) صناع النسيج في الغرب الإسلامي (5-1) القزاز أو الحرار

القزاز لفظ فارسي يقصد به القائم على تربية دود القز، كما أطلق على صانع الثياب الحريرية، والحرار هو صانع الحرير،

76

ولم تقتصر مهنة القزازة على الرجال فقط بل عملت بها النساء أيضا؛ فكثيرا ما اشتركت النسوة فيما بينهن في شراء بعض الأدوات الخاصة بغزل الحرير ك «ماعون الحرير»، ومنهن من كن يضطررن للاستدانة لشراء تلك الأدوات.

77

وانقسم صناع الحرير إلى عدة أقسام: (1)

إما صانع يعمل بالأجرة عند غيره وينفذ تعليمات معلمه، ويأخذ المشورة والرأي منه. (2)

أو يأتيه الناس بالغزل ينسجه لهم وهو ما سمي بالقبالة.

78

واتصف قزازو وحرارو الغرب الإسلامي بدرجة عالية من المهنية والمهارة فيما يخص صنعتهم؛ ما أثر على مكانتهم الصناعية داخل مجتمعهم، كالذي تلقى تهديدا بالقتل من أحد الصناع المنافسين لإتقانه عمله وجودة منتجه! إذ حدث لأحد صناع الحرير المغاربة المقيمين بالقاهرة هو وأخته، أن تلقى تهديدا من قبل بعض صناع الحرير المصريين المنافسين له داخل المدينة، وأنه إن لم يتوقف عن العمل لانقطاع سبل عيشهم بسبب حزقه ومهارته في صناعة الحرير وعدم قدرتهم على منافسته؛ فإنهم سيقتلونه.

79

وقد توجب على القزاز أو الحرار أن يراعي عدة أمور، منها:

منع وصول النجاسة إلى الغزل أو الثياب.

عدم مشيه بقدميه على الغزل وبها نجاسة، كما لا توضع على الأرض النجسة أو على موضع نجس، أو نشر الغزل على حائط أو حبل نجس.

أمر صناعه وصبيانه بمراعاة تلك الأمور.

لذا وضعت المعايير والقواعد لضمان جودة صنع ثوب الحرير، منها أن الثوب لا يقل عن اثنين وأربعين بيتا في النول، وواحدة وعشرين أوقية في الوزن، فما خالف ذلك كان مغشوشا،

80

وأفضل الحرير الذي تكون سداه قوية ومتينة، ناعمة الملمس، والثوب الجيد هو الذي انتظم نسجه وثقل وزنه، أما الرديء منه «فهو ضعيف السدى، خفيف الوزن، رخو النسج، غير زاهي اللون.»

81

وتوجب على القزاز والحرار عدم خلط الغزل الغليظ والرفيع؛ لأن بعضهم أخذ الغزل الرفيع لنفسه وبدله بأغلظ منه لغيره، أو بغزل الغزل العفن الضعيف مع الغزل الرفيع ما اعتبر نوعا من التدليس،

82

أو يحتفظ بعضهم بالخيوط التي تفيض عن الغزل والخياطة، أو يترك أحدا من صبيانه وغلمانه يرميها، ولكن وجب عليه أن يعطيها لصاحبها مع الثوب، ومنهم من يخيط الثوب أو الخرقة ويكملها بغزل سوقي رديء من عنده أو من غزل زبون آخر ليكملها به، ومنهم من يشتري الغزل وينسجه لنفسه ويبيعه، فيستخدم الشمع أو الدلك أو بعض المواد التي يترتب عليها إضعاف الغزل؛ لأن أغلبهم تساهل في ذلك من أجل البيع والكسب دون بذل مجهود.

83

كما لجأ القزازون لأمور الغش والتدليس في صنعتهم، بغلي غزل الحرير الأبيض الذي عرف ب «المصرقة أو المسرقة» نصف غلي وإخراجه ولم يكتمل بعد ليصبغ؛ ما يضعف الغزل، وبالتالي نسجه عند استعماله،

84

فبعضهم باع الغزل إلى الخياطين ولكن سرعان ما يتغير بمجرد غسله لأنه «يتصوف وينفش ويرجع إلى أصله شعرا.» ومنهم من ينسجه ويبيعه خرقة، أو يمزجه لصنع ثياب أخرى تكون ضعيفة، أو استخدام بعضهم الشمع أو الزيت أو السمن أو الصمغ أو النشا لجعل الغزل أكثر نعومة ولمعانا وبريقا فتصير الثياب صفيقة الشكل والملمس بتدليك وجه الغزل والثياب بها.

85 (5-2) الكتان

تختلف خيوط الكتان بتنوع خيوطه وأصنافه، فأجوده المصري الجيزي؛

86

لأنه من النوعيات الجيدة وذات الشهرة العالية؛ ولهذا عندما سئل أحد الفقهاء عن المرأة الغازلة التي تغزل الكتان وتمسك الخيوط بفيها، خاصة في شهر رمضان أثناء فتلها لخيوطه، كانت تستخدم لعاب الفم في ترابط الخيوط وتماسكها، وبما أن الكتان الجيزي من نوعية الكتان ذي الطعم المالح؛ لهذا نهى الفقهاء عن وضع تلك النوعية في الفم لأنه يبطل الصوم؛ فكان الرد «إن كان الكتان مصريا فجائز مطلقا، وإن كان دمنيا

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٢٧