45 (2-3) الصانع
الصانع هو المنتصب لبيع صنعته بمحله،
46
وانقسم الصناع لفئتين؛ الأولى: وهم الصناع المشتغلون بأجرة خاصة في الأماكن التابعة للسلطة كدور الطرز أو من يعملون لدى الصناع الكبار والمعلمين، والثانية: هم من يعملون لحسابهم في حوانيتهم أو منازلهم، إما بتعلمهم الحرفة أو الصنعة، أو أنها متوارثة عن الآباء والأجداد وفي حالة تعلم الأبناء الحرفة أو الصنعة من الآباء والأجداد فإنهم يتقنونها بشكل جيد يسمح لهم بمزاولتها.
47
ووجب على الصانع احترام معلمه أثناء مزاولة عمله، ومن مظاهر هذا الاحترام أن يمشي خلفه، ويقضي له حاجاته، مطيعا لأوامره، مدافعا عن مصالحه، يتحمل عنه العقوبة والهوان،
48
فضلا على أن يتبع إرشاداته ونصائحه، ولا يتبعه في أمور الغش والتدليس التي عادة ما اشتهر بها بعض من صناع النسيج.
49 (2-4) المعلم
هو الصانع المنتصب لعمل، ويملك عناصر الإنتاج والصنعة من رأس المال والأيدي العاملة، ومحل الصناعة والعمل، وكذلك التنظيم؛ لهذا ألزم بأن يقع عليه الضمان فيما يصنعه وما يقع تحت إشرافه من صناع ومبتدئين وأجراء، فكانت علاقته بهم مبنية على الاحترام، يعلمهم أسرار الصنعة ويمكنهم فيها ويعاونهم ويعاونونه، وقد يدفع الصناع أجورا مقابل العمل لديه، وفي الغالب كانت زهيدة، خاصة المبتدئين منهم والذين تكفل عنهم أولياء أمورهم بدفعها.
50
وهو ما تؤكده النوازل الفقهية كالذي «دفع غلامه إلى من يعلمه الخبز والطبخ، يكون العبد عند معلمه.»
51
ما يوضح رغبة أولياء الأمور في دفع صبيانهم وغلمانهم ليتعلموا حرفة أو صنعة، أو كالتي «دفعت غلامي إلى خياط أو قصار ... يعلمونه ذلك العمل.»
52
أو أن هؤلاء الصبية يدفعون أنفسهم لأحد المعلمين دون علم ولي أمرهم لتعلم حرفة «أريت أن صبيا آجر نفسه وهو صغير بغير إذن وليه.»
53
وقد نهي عن اتباع أوامر المعلمين فيما يتعلق بمخالفة الشرع في عملهم، التي يسفر عنها الغش والتدليس، خاصة بعض الخياطين - المعلمين - فكان يكلف الصانع الذي يعمل لديه أن يخيط بالخيط غير المفتول؛ لأن الخيط إذا لم يفتل لا تكون خياطته قوية بل ضعيفة، أو يأمره بأن يوسع بين الغرزتين أثناء الخياطة، وفي بعض الأحيان يخيط الثياب المنهي عن خياطتها أو التي لا يجوز لبسها.
54 (2-5) العريف أو النقيب أو أمين الصنعة
ظهر من بين الصناع أفراد مهرة نبغوا في أعمالهم وصنعتهم أطلق عليهم العرفاء، فوجد عريف لكل مهنة وحرفة، خاصة من الحاكة وتجار البز، يلجأ إليه عند وقوع الخلافات في أمور الصنعة والبيع، أو الوقوف أمام بعض الإجراءات الحكومية التعسفية التي كان يلاقيها الصناع في بعض الأوقات،
55
لأنه من أهل المعرفة بالهندسة والصناعة،
56
لهذا تمتع الأمين بسلطات واسعة بين أبناء صنعته فهو مرجعهم في نزاعاتهم الشخصية والمهنية،
57
فوقع على عاتقه اختيار الصناع الجدد لكل حرفة أو صنعة،
58
فهو وسيط بين أهل حرفته والمحتسب في كل ما يتعلق بشئون الحرفة، وله حكم ظاهر وواضح على الصناع، يطلعهم على قواعد وأسس العمل المهنية، بالإضافة إلى أنه المسئول أمام المحتسب عن أي مخالفة فيما يتعلق بالأمانة المهنية للصناع،
59
وللعريف رئيس يسمى عريف العرفاء، أو شيخ العرفاء، فيذكر ابن عبدون
60
في هذا الشأن «يجب على القاضي أن يجعل في كل صناعة رجلا من أهلها فقيها، عالما، خيرا، يصلح بين الناس إذا وقع بينهم الخلاف في شيء من أمورهم ولا يبلغون الحاكم، وهو شيء حسن جدا، وهو العريف، ويجب أن يكون أهل ثقة عارفا بأمور الصنعة، يأمر بعدم خلط الأموال، وأن يراقب الموازين والمكاييل وكذلك السنوج.»
ومن طريقة اختيار العريف - الأمين - نشأت صلة بين السلطة الحاكمة وهؤلاء العرفاء؛ فبواسطتهم أشرفت السلطة على معظم المهن وسير الأمور بالأسواق بالطريقة التي تقبلها.