29 (2-2) الصناع الأجراء
الأجراء هم من يمارسون أعمالهم لحساب الغير لقاء أجور محددة يتقاضونها ممن استأجرهم، وكان يشترط عند استئجار الصناع الأجراء أن تحدد الأجرة والوقت حتى لا تنشب خلافات بين الطرفين؛ فكان «لا يجوز لرجل أن يستأجر رجلا في شيء؛ خياطة أو صبغ أو خرز أو دلالة حتى يتفق معه على أجرة معلومة.»
30
وقد يشترك في بعض الأحيان أكثر من عامل أجير في تأدية عمل واحد فيما بينهم، كالخياطة مثلا، فكانوا يقسمون العمل فيما بينهم،
31
والأجراء كغيرهم من العمال يبدأ عملهم في الصباح؛ فمن عادتهم العمل بعد صلاة الفجر وقد يستمر العمل إلى صلاة المغرب، ويتوقف العمل يوم الجمعة ويخفف في شهر رمضان، وتختلف مواعيد العمل من الصيف إلى الشتاء؛ نظرا لطول مدة النهار في الصيف وأثرها على أداء الصناع،
32
وبعض الحالات كان يؤجر الأجير لمدة تطول تصل لشهر «بأن يؤجر نفسه في خياطة شهرا.»
33
ونظرا لطبيعة مجتمع الغرب الإسلامي وما تمتع به من خصوصية؛ يؤدي الأجير في أغلب الأوقات عمله داخل بيت من استأجره، إما لعدم وجود من يتابع العمل من الرجال أو لحرص أصحاب العمل على خصوصيته، وفي بعض الأحيان يفسد الصانع ما جاء لإصلاحه أو لعمله، أو يفقد العمل الموكل إليه، كقول أحدهم: «فإني استأجرت خياطا يخيط لي في بيتي فضاع ما استأجرته له.»
34
وقد روعي عند استئجار الصناع الأجراء أن تحدد مواعيد عملهم، وطبيعة العمل الموكل إليهم، ومواصفات الإنتاج، مع التنويه بضرورة القيام بتوابع العمل، وعلى من تقع المسئولية فيما يخص الأدوات، بالإضافة لضمان الصانع لعمل يده.
35
فضلا عن تحديد المقاسات والأطوال، وهو ما جاء ذكره في أحد العقود بشكل جلي ففي «عقد تاريخه شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، فيه أنه دفع إلى مفرج بن مبارك النساج؛ عشرة مثاقيل قديمة طيبة، على نسج أربعين شقة خز، كل شقة من ستين بيتا، سعة كل شقة أربعة أشبار، وطولها ست عشرة ذراعا.»
36
ويذكر الونشريسي
37
في إحدى النوازل عن استئجار صانع لعمل عمامة بقوله: فكانت «عادة هذا الصانع إذا استؤجر على عملها يكتال عرض العمامة بمعاينة ربها، يتفق معه بثمن معلوم بعد أن يحيطا خبرا بصفتها ولونها، وربما يريه مثلا يتفقان عليه ويذكر وقت الشروع كاليوم ونحوه، وتارة يشترط تقديم الثمن، وتارة يؤخر إلى الفراغ من عملها.»
وهنا لا بد من الحديث عما يتقاضاه الصانع الأجير وبخاصة أجير النسيج؛ لأن في ذلك عرفا يقاس عليه ويقدر، فلا يجوز أن يستأجر أحد في أمور خياطة ولا غيرها إلا بعد الاتفاق على أجرة ووقت معلومين يرضي الطرفين،
38
فمنهم من تقاضى «نصف دينار في الشهر»
39
لأنه أحيانا وبعد الاتفاق ينكر صاحب الثوب أو صانعه قيمة الأجرة «فيقول رب الثوب بدرهمين والصانع بأربعة.» نظير خياطته،
40
أو يؤجر على خياطة ثياب تسمى له وتوصف، أو يصنعها بيده دون غيره وهو من شروط الاتفاق، لأن كثيرا من الصناع ونتيجة لكثرة الأعمال الموكلة إليهم كانوا يعطون الثياب التي لديهم لصناع آخرين حتى يفوا بميعادهم ولا يفقدوا زبائنهم، إما لشهرتهم ودقتهم في الصنع، أو لظروف منعتهم من القيام بالعمل في وقته،
41
أو أن خياطا يعرض عمله وأجرته على أحد بقوله: «أخيط لك هذا الثوب بمثل ما خطت به لفلان من الأجر والصناعة والصباغ، يصبغ لرجل ثوبا فهو بهذه المنزلة، وكل هذا مكروه عند مالك، وكذلك في الإجارة يقول أؤاجرك نفسي مثلما آجر فلان نفسه.»
42
وفي بعض الأوقات - وإن قلت - أنكر الأجير العمل الموكل إليه وقيمته، كالذي أوكل إليه أن يبيع فروا ثم حصل على ثمنه لنفسه، وادعى أن الفرو له وليس لمن استأجره،
43
وهو ما يعني أن الأجرة والإجارة «لا تكون إلا بتسمية معلومة وأجل معلوم.»
44
وقد يحدث هذا نتيجة لعدم وجود عقود أو شهود على ذلك الأمر، أو أحدهم «يحبس العين على الأجرة.» أي يحجب ما كلف بعمله حتى يحصل على أجرته.