تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13

في حين يرجع البعض بداية ظهور الأصناف - النقابات - في الغرب الإسلامي وبخاصة في إفريقية إلى العهد الحفصي، غير أن الأصناف في بلاد المشرق الإسلامي ترجع إلى القرن الثاني الهجري أو القرن الرابع الهجري.

14

وعلى ما يبدو، فإن كثيرا من سمات التخطيط الإسلامي ساهمت في تواجد أهل الحرف والصناعات داخل المدن، وهو ما وضح عند تخطيط مدن الغرب الإسلامي بوجود بعض التجمعات الخاصة لكل مهنه أو حرفة؛ فكان لكل نوع منها شارع أو سوق باسمه،

15

بدلالة أبواب وأرباض المدن التي سميت بأسماء مهنها؛ كوادي القصارين بالقيروان،

16

وحي الكمادين،

17

وقنطرة الصباغين،

18

ومقابر القصارين،

19

وطاحونة الحلفاويين بتونس،

20

وحي الطرازين بقرطبة.

21

هذا ومن اللافت للانتباه أن صناع الغرب الإسلامي - في بعض المدن - كانت لهم شارات خاصة بهم، فكان لكل صنعة شارة تميزها عن غيرها، وتبرز كل فرقة من أهل الصناعة عن الأخرى خاصة عند الاقتضاء والنزاعات التي قد تنشب بينهم، والشارة عبارة عن علم يحمل شعار كل صنعة وما يناسبها، وهو ما ذكره القلقشندي

22

عن بني مرين وخروج السلطان للاحتفال بليلة العيد بقوله: «وفي ليلة العيدين ينادي والي البلد في أهلها بالمسير، ويخرج أهل كل سوق ناحية، ومع كل واحد منهم قوس أو آلة سلاح، متجملين بأحسن الثياب، ويبيت الناس تلك الليلة أهل كل سوق بذواتهم خارج البلد، ومع أهل كل سوق علم يختص بهم عليه رنك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم.»

وقد أسهمت التطورات الداخلة على أهل الحرف والمهن في تنظيم هيكلهم وإكسابهم نظاما متدرجا فيما بينهم، ولم تكن هذه التدرجات واضحة المعالم في بداية الحكم الإسلامي، لكن سرعان ما تمكن الصناع والحرفيون من تكوين سلم حرفي فيما بينهم، من خلال تحديد مراحل هذا التدرج، فيبدأ بالمبتدئ، ثم الصانع الأجير، ثم الصانع، ثم المعلم، وفي النهاية يتربع على قمة السلم الحرفي أهل الحذقة والخبرة من الصناع وهم النقباء أو الأمناء. (2-1) المبتدئ

بين ابن منظور

23

معنى المبتدئ قائلا: «من أبدأت بالأمر، ابتدأت به وبدأت الشيء: فعلته ابتداء.» فالمبتدئ هو أدنى درجات الحرفيين، فهو الصبي أو الغلام «فإن عطب الصبي أو الغلام»

24

وينضم هذا المبتدئ إلى معلمه ليكتسب ويتعلم أسرار المهنة وتقاليد أهلها، وفي بعض الأحيان لم يكن يتقاضى المبتدئ أجرا نظير عمله، بل إن ولي أمره كان يدفع أجرا لمعلمه مقابل تعلم وليه الصنعة، وفي بعض الأوقات كان أجر المبتدئ هو عمله كما ذكر «وقال أيضا فيمن دفع غلامه إلى من يعلمه الخبز والطبخ، يكون العبد عند معلمه على أجر معلوم.»

25 «أرأيت إن دفعت غلامي إلى خياط أو قصار ... يعلمونه ذلك العمل بأجر معلوم ودفعته إليهم ... وكذلك إن دفعته إليهم ليعلموه ذلك بعمل الغلام سنة.»

26

كما حدث لأحمد بن محمد بن زكري الذي كان يتيما فربته أمه وأرسلته ليتعلم حرفة الحياكة وكانت أجرته نصف دينار في الشهر «وأتت به يتعلم الصنعة وأدخلته في طراز عند معلم ليتعلم الحياكة وبقي عنده حتى تعلم النسج.»

27

وفي بعض الأوقات حصل أولئك الصبية المبتدئون على أجر مقابل تأدية عملهم، خاصة أن ذلك العمل كان بنظام العمل لا بالوقت، كما ذكر ابن أبي زيد:

28 «فيمن أجر غلمان يخيطون مشاهرة وهو يقاطع الناس على الثياب، فيطرح على أحدهم ثوبا على إن فرغ منه اليوم فله بقية يومه، وإلا فعليه تمامه في يوم آخر لا يحسب له في الشهر.»

فلهذا عمد الصناع وأولياء أمور أولئك المبتدئين إلى تحرير عقد ليحفظ كل طرف منهم حقه ، بتحديد نوعية العمل، والوقت، بالإضافة إلى الأجرة المتفق عليها، وفي ظل تلك الظروف عانى المبتدئون من ثقل الجهد الموكول إليهم نتيجة لاستغلال معلميهم لهم بشكل قاس ومهين، خاصة إن كانوا أيتاما لا ولي لهم أو معيل. أما في حالة تعلم الأبناء للحرفة أو للصنعة من الآباء والأجداد فإنهم يتقنونها بشكل بارع حتى يتوارثوا الحرفة فيما بينهم ولا تندثر، مثلما فعل أهل الذمة وبخاصة الصناع اليهود.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيط · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اقتصاد النسيج في الغرب الإسلامي في العصر الوسيطص ٢٣