وانقسمت صناعة النسيج إلى قسمين: صناعات نظيفة: وهي التي يتعاطاها أصحابها دون أن تتسخ ثيابهم أو أبدأنهم أو يلوثوا أماكنهم التي يشتغلون بها، كالخياطة التي لا يتسخ بها البدن ولا الثياب ولا المكان، والوراقة والبزازة والصرف والحياكة وفتل الحبال والغزل والرفو، وصناعات وسخة: وهي التي يتسخ بدن أو ثوب متعاطيها، أو تلوث المكان الذي يعمل به، كالقصارة والصباغة؛ ولهذا اتخذت أماكنها خارج المدن، وقد عمل القصارون خارج أبواب المدن.
6
ويذكر الدمشقي
7
في هذا الشأن أن الصناعات انقسمت إلى: صناعات علمية وصناعات عملية، فمن الصناعات العلمية الفقه والنحو والهندسة، والصناعات العملية كالحياكة والفلاحة ومشط الصوف والكتان.
ونتيجة لإلمام صناع الغرب الإسلامي بأمور صنعتهم، عملوا فيما بينهم على إدراك وفهم واستيعاب طبيعة عملهم بخلق جو من التنافس الحرفي والمهني فيما بينهم، وهو ما أكده ابن غالب عن مهارة وحذق الأندلسيين لصنائعهم فقد فاقوا أهل العدوة المغربية وقطعوا معاشهم وأخملوا أعمالهم وصيروهم أتباعا لهم ومتصرفين بين أيديهم، ويضيف المقري
8
أن الأندلسيين «متى دخلوا في شغل عملوه في أقرب مدة وأفرغوا فيه من أنواع الحذق والتجويد ما يميلون به النفوس إليهم ويصير الذكر لهم.»
ومن الإشارات التي توضح ما وصلت إليه الصناعة في بلدان الغرب الإسلامي، الصفات التي اتصف بها حرفيوه وصناعه؛ إذ تميزوا بالخبرة والمهارة في صنعتهم، وعلى سبيل المثال صناع الحرير والقطن؛ حيث تقدموا فيها على غيرهم في هذا الشأن، فيذكر أن حاكم أراجون جيمس الثاني أرسل صناعا مسلمين للحرير من إسبانيا إلى صقلية - التي كانت تتبعه في ذلك الوقت - في حين استقدم صناعا مسلمين للقطن من صقلية للاستفادة من مهاراتهم وخبرتهم،
9
أو ما فعله جيمس الأول ملك أراجون في عام 636ه/1238م، وبعد سيطرته على بلنسية وسقوطها من قبضة المسلمين؛ فقد أعطى صناع المدينة المسلمين فرصة ليساهموا في ازدهار المدينة صناعيا لتعود لسابق عهدها مركزا للنسيج، ولم يكتف جيمس بهذا، بل منحهم امتيازات خاصة لمواصلة صنعتهم وإنتاج سلعهم الجيدة والشهيرة؛ فمنح الحرفيين الورش والمصانع والحوانيت ملكا لهم دون البيع لمدة عشر سنوات، بالإضافة لتزويدهم بكل ما يحتاجونه من أدوات ومواد خام خاصة بعملهم؛ فكانت جميعها معفاة من الضرائب.
10
ويتضح من تلك الإشارات السابق ذكرها؛ أن ما تمتع به حرفيو وصناع النسيج بالغرب الإسلامي من مهارة وإتقان في فنون صنعتهم وجد نوعا من أنواع التنافسية الصناعية بينهم؛ فكثر الطلب عليهم في البلدان والمقاطعات الأوروبية وازدادت أعمالهم وتنوعت، نظرا لخبراتهم الكبيرة والطويلة في صناعة النسيج. (2) أصناف صناع النسيج في الغرب الإسلامي
أدى التماسك بين أصحاب الحرف والمهن إلى ظهور الأصناف وبخاصة فيما يتعلق بالنسيج، والأصناف كما يوضحها ابن منظور
11
بقوله: «الصنف النوع والضرب من الشيء، يقال صنف من المتاع، والجمع أصناف وصنوف.» وهو التميز بين الأشياء ويقال عنه «التصنيف».
والحرفيون هم من تجمعهم حرفة واحدة أو ينتمون لحرف أخرى، ويكونون فيما بينهم كتلة واحدة أو ما يشبه نقابة حرفية، وهي عبارة عن عقد تأسيسي يحدده العرف ويسلم به الداخلون ويقسمون على احترامه، وانصب اهتمامه على عدة أمور، منها:
تنظيم أمور الحرفة والحفاظ على أسرارها.
الحفاظ على ثبات الأسعار للمنتجات الصناعية.
الحفاظ على مستوى الصناع.
مواجهة الأخطار والنكبات.
12
وأظهرت النزاعات والخلافات والاعتداءات - خارجية أو داخلية - بالإضافة إلى الكوارث والنكبات بين أهل الحرف أنفسهم، لأن يتضامنوا ويتحدوا بخلق نوع من التأمين المادي لمجابهتها، كرغبة أحدهم في الزواج ولا يملك ما يكفيه للزواج؛ فيتكاتف الصناع بمساعدته بطريقة تحفظ كرامته وتعينه على قضاء حاجته، مثلما حدث في سلا إبان القرن 8ه/14م فقد استحدث النساجون فيها بالاشتراك مع تجار النسيج صندوقا احتياطيا كان دخله من درهم واحد، يؤخذ عن كل قطعة قماش تباع، ورصدوا المتجمع في ذلك لمواجهة الضرائب العادية والاستثنائية وما يواجههم من أخطار ومشاكل،