196
واشتهرت العديد من المدن المغربية بمراعيها كمدن المغرب الأدنى لتنوعها - وكان لهذا التنوع أثره في انتشار بعض سلالات الأغنام التي أنتجت أنواعا جيدة من الصوف، وكان هذا نتيجة للتبادل الثقافي والاقتصادي بين بلدان الغرب والشرق - وبخاصة شبه جزيرة جربة التي يصفها القلصادي
197
بقوله: «وما خصت به لين صوف ورطوبته، وتصير الشاة من غير الجزيرة فيها بعد إقامة سنة مثل شياهها في رطوبة الصوف.» وهو ما يعكس مدى جودة المراعي الموجودة بجزيرة جربة؛ مما أثر على جودة صوفها، وهو ما أكده التجاني
198
بقوله إنها اختصت «بحسن الأصواف المحمودة الأوصاف التي ليس بإفريقية لما ينسج من أثوابها نظير.»
ومن مدن وقرى المغرب الأوسط والأقصى كثيرة الخصب والزرع، كثيرة الغنم والماشية لحسن وطيب مراعيها،
199
مدينة البصرة المغربية التي عرفت ببصرة الذبيان،
200
وبجاية الشهيرة بأغنامها ذات الصوف الجيد والحسن،
201
وعنابة التي قصدها التجار لشراء صوفها الجيد،
202
وانتشرت نوعية من الأغنام قيل إن أصولها من بلاد فارس وبالأخص من مدينة كيس، واعتبر صوفها من أجود الأصواف التي انتشرت في سجلماسة،
203
ووجدة،
204
ولعل تلك الأغنام التي يطلق عليها أغنام المرينو
Merinas-Merino ، جلبت إلى بلاد الأندلس منذ القرن الخامس والسادس الهجريين/الحادي والثاني عشر الميلاديين وتميزت بجودة صوفها،
205
في حين يرجع البعض أصل كلمة المرينو إلى لفظ «مرن» للدلالة على نعومة الأصواف ودقتها ومرونتها،
206
أو نسبة لبني مرين،
207
وقد ظهر لفظ المارينو في الوثائق الجنوية في عام 707ه/1307م ويعكس قيمة تلك الأغنام في الصناعة النسيجية الجنوية،
208
كما وجد نوع آخر من الأغنام وهي الكباش الدمانية وهي نوع من الضأن، إلا أنها أجمل شعرا، كما ذكر البكري:
209 «وعندهم الكباش الدمانية خلقها خلق الضأن إلا أنها أجمل، وشعرها شعر الماعز لا أصواف لها، وهي أحسن الغنم خلقا وألوانا.»
وامتازت المنطقة الواقعة في أطلس الوسط بأنها منطقة جبال متوسطة الارتفاع كجبال الجزائر بمراعيها،
210
كما امتدت المراعي في بلاد المغرب وبخاصة الأقصى منه، سواء في السهول أو على قمم الجبال أو في الصحراء، لتجعل من الثروة الحيوانية عمادا أساسيا في بنيان الاقتصاد المغربي،
211
كما في فاس التي كثرت فيها الأغنام حتى بلغ سعر الكبش، في وقت من الأوقات، درهما ونصفا، وسعر البقرة ربع درهم،
212
وانتشرت الأغنام في جبال بني مزغنة، فكانت أكثر أموالهم من المواشي من البقر والغنم السائمة في الجبال.
213
وطنجة لا تمتلك قطنا ولا كتانا، ولباس أهلها من الصوف؛ نتيجة وجود ثروة حيوانية غنية من غنم وبقر وغيرها،
214
كما اشتهر حصن يرارة الواقع في الطريق بين فاس وسجلماسة بصناعة الصوف «وهو بلد يحسن فيه الغنم، وأصوافها كثيرة، ومن أجودها وأحسنها.»
215
وأدت الأمطار الصيفية النازلة على الجبال الواقعة في جنوب المغرب لانتشار المراعي الطبيعية بها، حيث أشار البكري
216
لكثرة المراعي وانتشارها بأودغست بقوله: «والغنم والبقر أكثر شيء عندهم، يشترى بالمثقال الواحد عشرة أكباش وأكثر.» ولا شك أن ميدان تربية الماشية عد من أهم ميادين النشاط الفلاحي في مدينة تسكنها قبائل صحراوية مثل قبائل صنهاجة اللثام،
217
هذا بالإضافة الى أغنام قسنطينة، فيصفها ابن الصباح
218
بقوله: «كثيرة الخصب والرخاء، بها الصوف من أغنام العربان.» كما تميزت سبتة - وبالأخص المناطق الواقعة بالقرب من تامسنا - بجودة الصوف؛ نظرا لتوافر قطعان الأغنام بكثرة.
219
ونظرا لأهمية الأغنام بصفة خاصة والثروة الحيوانية بصفة عامة وإسهامها في دعم الاقتصاد الأندلسي، لاعتماد الصناعات الغذائية والجلدية والنسيجية عليها، فقد كانت محط أنظار واهتمام حكام الأندلس؛ لأجل ديمومتها والإفادة منها ومن منتجاتها ومنافعها الأخرى؛ لارتباطها بالحياة المعيشية واليومية بشكل دائم ومستمر؛ إذ امتازت الأندلس بمراعيها الجيدة والموزعة على معظم مناطق الأندلس،