156
ونظرا لأهميته نشأت بعض الخلافات حول زراعة أشجاره، كما أوردتها النوازل الفقهية، فمنها النازلة التي كان فحواها أن لأحدهم شجر توت بملك رجل آخر، فصادف أنه يوجد في تلك الأرض إحدى الأشجار التي تضر بالتوت وتعدم منفعته وهي «الدردار»؛ وعليه فقد طالب صاحب التوت بإزالة شجرة «الدرار» حرصا منه على سلامة الشجرة،
157
أو أن تحدث الخلافات حول بيع ورق التوت قبل أن ينضج ويورق،
158
وغيرها من النوازل التي توضح مدى اهتمام مزارعي وصانعي الغرب الإسلامي بزراعة أشجار التوت ومن ثم تربية دودة القز (دودة الحرير).
كل ذلك ألزم المتشاركين في ورق التوت لإبرام عقود شراكة لمنع الخلافات فيما بينهم؛ لهذا قال البرزلي
159
إن «ورق التوت سلعة تضمن بالعقد.» فأبرمت العقود لهذا الغرض؛ فحددت بها أسماء المتشاركين، وكذلك الجهة والحدود بالإضافة لكمية الورق. ويبين بها أيضا الأضرار التي تلحق به من حشرات أو غيرها مما من شأنه أن يؤثر على أوراق التوت، فيذكر ابن العطار
160
بعض الأمور التي تضر بورق التوت: «في ورقه تعفن من توالي الغيوث، أو من دود وقع فيه، أو صفرة غلته من وهج الشمس أو ما شابه ذلك من جوائحه وقدروا ما أفسد منه بهذه الجائحة»؛ فاستلزم الأمر أن يقوم صاحب ورق التوت باستئجار عامل لرعاية شجر التوت، أو يشاركه في الحرير الناتج منها.
161
غير أن ما أوردته المصادر حول زراعة التوت بأرض المغرب كان قليلا وغير كاف لإبراز مكانة بلاد المغرب الإسلامي في صناعة الحرير، ولكن من المؤكد أن أبرز الأماكن التي زرعت بها أشجار التوت كانت قابس، التي احتضنت غابتها الكثير من أشجار التوت، وهو ما انعكس على جودة الحرير بأراضيها، الذي كان من أفضل منتجاتها وذاعت شهرته في العالم الإسلامي ولهج بذكره الكثير،
162
فيذكر البكري
163
عن جودة أشجار التوت بأنه «يقوم من الشجرة الواحدة منها من الحرير ما لا يقوم من خمس شجرات من غيرها .» وعن قابس ذكر صاحب الاستبصار أن بها «شجر التوت كثير ويربى بها الحرير، وحريرها أطيب الحرير وأرقه، وليس يعمل بإفريقية حرير إلا بها.»
164
وكان للفتن التي اندلعت في أوائل العصر الموحدي دور في خراب وقطع أشجار غابة قابس التي قضت على أشجار التوت وإنتاج الحرير خلال القرن السادس والسابع الهجريين، وهو ما يؤيد عدم تعرض التجاني بالذكر لحرير غابة قابس عند حديثه عنها،
165
وهو ما أكده أيضا ابن عبد الظاهر
166
في القرن التاسع الهجري بحديثه عن مدينة قابس بقوله: «دخلت إلى مدينة قابس بالقرب من القيروان؛ فرأيت مدينة عجيبة غير أنها خربة جدا وليس بها إلا القليل من الناس والعمارة.»
ووجد التوت في بعض قرى ومدن المغرب الأوسط والأقصى، حيث زرعت أشجار التوت في غابة مدينة القل التي حوت على أشجار التوت، فكان سكانها يكسبون ثروات كبيرة من تربية دودة القز.
167
كما زرع التوت بالريف المحيط بفاس فربي به دود القز،
168
وفي شرسال التي انتقلت إليها تربية دودة القز عن طريق المدجنين ومسلمي الأندلس، فغرسوا العديد من أشجار التوت وصار الحرير من أهم موارد المدينة،
169
كما ساهم المدجنون في زراعة أشجار التوت الأبيض بصفة خاصة في قرية خميس مطغرة أو خميس متغارة.
170
أما زراعته في الأندلس؛ فقد زرع على نطاق واسع؛ لجودة أرضها وصلاحيتها لنمو أشجار التوت، بجانب وفرة الأمطار واعتدال المناخ وملاءمة درجة الحرارة، بالإضافة إلى نسبة الرطوبة التي تطلبتها زراعة التوت،
171
فزرع في جبل شلير،
172
وفي أراضي مرسية حيث زرعت به أكثر بساتينها، الأمر الذي جعلها مختصة بزراعته؛ ومن ثم كثر الحرير بها دون سائر البلاد، على الرغم من أن غرناطة كانت تسمى بلاد الحرير إلا أنه يجلب إليها من مرسية، فضلا عما يزرع بها، كذلك انتشرت زراعة التوت في مالقة وبخاصة في القرى التابعة لها كنارجة وبلش.