وربما كانت ثورة المعري الفكرية سببها ما شاع في أوساطه من الدعوة إلى الإمام والمهدي المنتظر، وتلقي التعاليم عنه، فثار أبو العلاء على ذلك وقال: إنه لا يؤمن بإمام ولا مهدي وإنما يؤمن بالعقل؛ ولذلك أكثر في تقدير العقل وإحلاله أعلى مكان، وقال في ذلك أبياتا كثيرة من أوضح ذلك قوله:
يرتجي الناس أن يقوم إمام
ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيرا في صبحه والمساء
فالإمام الذي يشير إليه هو ما كان يشاع في محيطه من مهدي منتظر، فقال: كذب الناس إنما الإمام هو العقل وقوله:
ما كان في هذه الدنيا بنو زمن
إلا وعندي من أخبارهم طرف
يخبر العقل أن القوم ما كرموا
ولا أفادوا لا طابوا ولا عرفوا
عاشوا طويلا وماجوا في ضلالتهم
ولا يفوزون إن جوزوا بما اقترفوا
وقوله:
خذوا في سبيل العقل تهدوا بهديه
ولا يرجون غير المهيمين راج
ولا تطفئوا نور المليك فإنه
ممتع كل من حجي بسداد
وقوله:
ساس الأنام شياطين مسلطة
في كل مصر من الوالين شيطان
من ليس يحفل خمص الناس كلهم
إن بات يشرب خمرا وهو مبطان
وقال:
رويدك قد غررت وأنت حر
بصاحب حيلة يغط النساء
يحرم فيكم الصهباء صبحا
ويشربها على عند مساء ... إلخ.
فهو يصور قيام الدعاة إلى إمام مستتر، وظلم الناس وفسادهم، ويدعو إلى استعمال العقل كما أمر الله. •••
وأخيرا أطلقت في مصر كلمة المهدي على من أسلم، وكان هو أو أبوه نصرانيا ويسمونه في سوريا المهتدي بدل المهدي، وذلك كالشيخ المشهور الشيخ محمد الحنفي المهدي، وقد كان من قوم أقباط فأسلم وتعلم في الأزهر وما زال يتفقه حتى ولي الجامع الأزهر، وكان يتداخل في الأمور، واتصل بالفرنسيين عند دخولهم، ولما رتبوا الديوان الذي يجري الأحكام بين المسلمين جعلوه في ديوانهم، وكان هو المشار إليه، وكان الناس يقصدونه في الحوائج ويمشون حوله وأمامه وتقبل شفاعاته، ويأتي إليه الفلاحون بالهدايا من أغنام وسمن ونحو ذلك وأثرى ثراء عظيما، واستمر في مشيخة الأزهر والتدريس فيه، واختاره محمد علي باشا ليسافر مع ابنه طوسون إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين، لما رجع انتقض عليه الأزهر، فعزل إلى آخر ما كان.
وممن لقب بهذا اللقب شيخنا الأستاذ محمد المهدي، وكان أستاذا لنا في مدرسة القضاء وأحد تلاميذ الشيخ محمد عبده المقربين إليه، وقد كان من أصل نصراني؛ ولذلك كان يسمى الشيخ محمد المهدي زيكو.
هذه الثورات التي ذكرناها هي النتائج الماهية لفكرة التشيع وفكرة المهدية.
وهناك نتائج بعيدة المدى، فهناك أفكار شيعة ومهدوية تسربت إلى الفنون والعلوم، حتى يصعب على الباحث المدقق استخراجها، نجدها في التفسير وخاصة التفسيرات الرمزية لبعض الآيات القرآنية، وفي الأحاديث التي وضعت بإحكام كبعض أحاديث رواها الحاكم وغيره في أخبار المهدي، وموعد ظهوره وكونه من أشراط الساعة وغير ذلك، وهناك الآراء المنسوبة على التصوف وتطبيقهم فكرة المهدي على فكرة الأقطاب، وكأفكار الحلاج في الحلول تشبيها لما قاله المهديون في الأئمة.
وهناك تعاليم القرامطة والفاطمية في أشعار المتنبي وابن هانئ وغيرهما. وكلما جد الباحثون أمكنهم بعد التدقيق أن يربطوا بين أشعار للشعراء، ومعان للتشيع قريبة الشبه. وإن الفنون في بعض الأحيان تنزع في بعض تصميماتها إلى فن فارسي شيعي كالمحاريب المقرنصة وكطابع الخشب المحفور، ورسم النباتات والحيوانات التي تتعارك، أما التاريخ فقد عبث به كل العبث فترى نزعة مهدوية شيعية تلون الأحداث تلوينا زاهيا بديعا، ومن سني يلونها تلوينا أسود قائما، كالذي رأينا في نسب الفاطميين إلى فاطمة، منهم من يؤمن بصحته كل الإيمان، ومنهم من ينكره كل الإنكار، وكل يوم يستخرج الباحثون تسرب القضايا الشيعية إلى العلوم والفنون المختلفة، وحتى النحو نرى فيه هذه النزعة أيضا كنسبة وضعه إلى أبي الأسود الدؤلي عن علي بن أبي طالب، ومثل تمثيلهم بقولهم: قضية ولا أبا حسن لها إلخ ...