صلى الله عليه وسلم ، ولا قاله أحد من سلف الأمة، ولا من الشيوخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم، والله تعالى يقول:
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ، ويقول:
قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ، ويقول:
قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء .
وقد قال الوهابيون بقول ابن تيمية هذا، وقد أقام بعض الصوفية مراسيم كمراسيم الدولة الظاهرية، وقالوا: إنه تجب لصحة القطب أن يبايع في دولة الباطن، كما يبايع الخليفة في دولة الظاهر، وقد قال ابن الجوزي: إن أحاديث البدال كلها موضوعة، وهؤلاء الأبدال الذين يزعمون أنهم أربعون كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا، وقد ربطوا هذه الأخبار عن الأقطاب والأبدال وغيرهم بأخبار الخضر، إذ كان يعلم علم الباطن على حين موسى - عليه السلام - كان يعلم علم الظاهر، وزعموا أنه حي مستتر في كل زمان!
وأخيرا نقرأ في الدولة العثمانية نظام الفتوة وتعاون بعضهم مع بعض وفرقة البكطاشية والنقشبندية، ونحو ذلك من نظم سرية وتعاليم خفية، فنسمع منها صدى لأنظمة الإسماعيلية ودعواتهم، بل ربما كانت صدى لتأثير المبادئ الإسماعيلية في أوروبا فهناك ما يشبه تعاليمهم في نظم الأديرة والجمعيات، بل ربما كان للقرامطة تأثير بين في نظم الرهبنة اليسوعية، وربما تكشف الأيام عن ذلك.
وقد كان من مبادئ القرامطة فرض ضرائب على الفقراء؛ لتوزع على المرضى والمحتاجين منهم عند الضرورة وهو شيء يشبه عمل النقابات الحديثة، وكم نقل الصليبيون في حروبهم مع المسلمين من أنظمة، فلعل منها النظام الإسماعيلي والديمقراطي الذي ساد الجمعيات الأوروبية.
من هذا نرى كيف لعبت المهدوية في تاريخ الإسلام، وإصابته مع الأسف بمصيبتين كبيرتين:
إحداهما:
إضعاف شأن المسلمين إضعافا كبيرا بهذه الثورات المتتالية.
وثانيتهما:
بنشر هذه الأساطير والأوهام بينهم مما أضعف عقولهم، وهما ضرران كبيران.
وكثيرا ما يعتقد الناس الاتصال فعلا بالمهدي، وتلقي تعاليمه كالذي رواه الشعراني من أن هناك اجتماعات روحية صوفية، وأنه كان أحد أفراد هذه الجمعية وهو صديق للشعراني واسمه الشيخ حسن العراقي أفضى إليه بأنه هو في حداثته كان يقيم في دمشق، وأنه أضاف المهدي أسبوعا عنده وأخذ عنه أساليب الذكر والزهادة، وأنه يستفسر من المهدي عن كل ما أشكل عليه، وأن هذا الاتصال سبب له طول العمر، فقد كان سن العراقي عندما تحدث بهذا الحديث يبلغ من العمر 127 سنة.
وقد ساح بعد ذلك إلى الهند والصين، ثم رجع إلى مصر ومنعوه من دخولها، وهناك قصص كثيرة حول الاتصال بالمهدي والأئمة والمختفين، وقد كانت هذه الفكرة تملأ أذهان الناس حتى استفتي فيها ابن حجر الهيثمي، وكان السؤال يدور على أنه سئل عن طائفة يعتقدون في رجل مات منذ أربعين سنة أنه المهدي المنتظر الموعود بظهوره آخر الزمان، ويعتقدون أن من أنكر مهديته فقد كفر فما قوله في ذلك، وقد سبب ذلك أنه وضع كتابا في أحاديث المهدي والمهدوية سماه «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر».
وقد كان من جراء ذلك أن ألقى درسا كبيرا في هذا الموضوع في مكة حين حج، وقد ذكر بعض المستشرقين في كتاب ألفه عن فرق الإسلام أن بعض رجال الهنود ظهروا في الهند، وادعوا المهدية بينهم رجل يدعى الشيخ محمد الجونبوري دعا هذه الدعوة، ونفى من بلاد الهند، وتوفي سنة 1505، إلى كثير من أمثال ذلك.
وعلى الجملة فقد كانت هذه الحركة المهدوية حركة دائمة لا تنقطع في إثارة الفتن والقلاقل، ولم كان قد من الله على المسلمين بفنائها لتغير وجه تاريخهم، ونرجو أن التنبه الحديث والوعي القومي الكبير يقضي على هذه الأساطير.