وقال الفقهاء أيضا: في الأزمنة القديمة كان الرجل إذا رأى غرفة في البيت سقط عنه خيار الرؤية؛ لأن الغرف كلها متشابهة في الشكل، وبعد ذلك اختلفت البيوت فأصبح لا يسقط عن الرجل خيار الرؤية إلا إذا رأى الغرف كلها لاختلاف هندسة الغرف.
والإمام الشافعي نفسه له مذهب قديم لما كان في العراق، ومذهب جديد لما حضر إلى مصر لاختلاف البيئة، بيئة العراق وبيئة مصر، وهذه إحدى العلل الكبرى لمشروعية النسخ، وهي أن الزمن يتغير فيقتضي ذلك تغير التشريع، وقد أخذ الفقهاء والمؤرخون يبحثون في كل مائة سنة عمن يصلح أن يكون مجددا، قالوا: إنه على رأس المائة الأولى كان عمر بن عبد العزيز، والثانية الشافعي، والثالثة ابن سريج أو الأشعري، والرابعة أبو حامد الأسفرائيني، والخامسة الغزالي، والسادسة الفخر الرازي، والسابعة ابن دقيق العيد وهكذا.
والحق أن هذا التحديد نسخ للفكرة الصحيحة، تجديد التشريع كلما تغيرت الظروف، وقد يكون ذلك أكثر من مائة سنة، وقد يكون في أقل فليس من الضروري تحديد المائة بالوزن أو بالمتر، وإنما فائدة «الحديث بيان الفكرة»، وذلك لا يكون في التشريع وحده بل يكون في كل مرفق من مرافق الحياة الاجتماعية.
وهذا التجديد معناه مرونة العقل لإحلال الأوضاع الجديدة محل الأوضاع القديمة، أو تعديل الجديد ليتفق والقديم، وكانت تتوارد على الشيخ محمد عبده أسئلة جديدة لم يتعرض لها الفقهاء من قبل؛ لأن البيئة خلقتها خلقا جديدا مثل قراءة في الراديو، ولبس البرنيطة والتأمين على الحياة، وإيداع المال في صناديق التوفير وهكذا، مما لم يكن معروفا من قبل، وقد عرف جان جاك روسو التجديد بأنه «الأخذ بالمبادئ الإنسانية والمبادئ العقلية والتسامح الفلسفي، وإحلال ذلك محل الأوضاع القديمة، ومحل تقديس السلطات ومحل التعصب والضيق النظر»، ويكون التجديد في كل حالة بحسبها، وقد يجد دعاة التجديد أنفسهم أمام تيارين متناقضين فيضطرون إلى منازلتهما جميعا كالذي حدث في عصرنا في مذهب الاشتراكية، إذ رأى أصحابها أنهم مضطرون إلى منازلة فكرة الشيوعية المتطرفة وفكرة الرأسمالية الجامدة.
ويساعد على فكرة التجديد شعور الشعوب بسوء الحال، وطموحهم إلى حال خير من حالهم، ونظام خير من نظامهم، وعدل يحل محل ظلمهم لتسري الدعوة إلى التجديد وإلى التعمير سريان النار في الهشيم. ووصف سوء الحال وبث الطموح إلى خير منه هما أهم ما دعا إلى إثارة الشعوب لدعوة المهدية.
والناس في قبول دعوة التجديد مختلفون، فهناك جماعات أشد مقاومة للتجديد وجماعة أشد تلبية لها. ذلك أن الجماعات التي تكونت حديثا ولم تتقيد بقيود ثقيلة من الأوضاع كأمريكا تكون أقرب إلى التجديد، ومن كثرت أوضاعهم وقدمت كانوا أشد بطئا في قبول فكرة التجديد، وما مظاهر القلق والاضطراب في الأمة إلا مظاهر حرب بين جديد وقديم، وبعبارة أخرى بين قديم ظهر فساده وجديد لم يرتكز بعد، ومن المظاهر البينة أن مرافق الحياة جديدها وقديمها في كل شعب تتفاعل كما تتفاعل المواد الكيميائية، حتى يتم بينها الانسجام فإذا دخل التجديد في مرفق، فسرعان ما تنفعل لذلك سائر المرافق، كحوض الماء يصب فيه ماء بارد وماء ساخن، فسرعان ما يكتسب البارد السخونة والساخن البرودة حتى يتكون منهما ماء في درجة حرارة واحدة، والفرق بين الدعوة إلى التجديد والدعوة إلى المهدية أن الأولى ترتكز على العقل، وعلى تجارب الحياة وعلى الواقع، أما الدعوة الثانية فترتكز على عقيدة دينية فقط بإمام منتظر، وأن السلطة السماوية هي التي تقربه وهي التي تؤيده ... وأما فكرة الصوفية في القطب والأبدال، فهي أن الصوفية كما تأثرت بالإسلام تأثرت أيضا بتعاليم الفلسفة، وخصوصا الفنوسطية والأفلاطونية الحديثة، وخلاصتها أنه في القرن الثاني الهجري حينما ترجمت كتب الفلسفة إلى اللغة العربية اندس من بعض الجهات أو تسربت فكرة من الأفلاطونية الحديثة من مثل نظرية الفيض الإلهي والفناء في الله، وتأويل آيات القرآن بالرموز المعنوية، فهم إذا سمعوا قوله تعالى مثلا: