واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ، أولوها بأن لها تفسيرا باطنيا هو أن المرسلين الثلاثة هم الروح والقلب والعقل، وأن الاثنين الأولين هما الروح والقلب وهما اللذان كذبوهما، وأن الثالث هو العقل كالاعتقاد في نظرية الفناء في الله، وشرطهم أن الإنسان يجب أن تتلاشى شخصيته، وينعدم شعوره بوجوده كالذي قال: «دعني أفنى كما تفنى الأنغام في العود، فإننا إليه نعود»، وهم يدعون إلى فناء الفرد في الذات الكلية الإلهية، ولا يستطيع المكان ولا الزمان أن يحد هذه الذات المتناهية، وللمريد درجات في الفناء يترقى إليها شيئا فشيئا، ووسيلة ذلك عمق التأمل، وبعبارة أخرى المراقبة الدقيقة لحالات النفس، وينتهي به ذلك إلى غاية هي أن يصبح المتأمل فيه شيئا واحدا، وهذا هو التوحيد الصحيح.
هذه النزعة وأمثالها هي بعض نزاعات الصوفية، وبعضهم يرى أنها لا تتنافى - بل يجب أن تكون - مع التزام الشعائر الظاهرة من صلاة وزكاة وصوم وحج، وبعض الفرق يرى أن هذه الشعائر الظاهرة ليس إلا وسائل لغاية، فمتى حصلت الغاية فلا لزوم لها وأن من حق الصوفي أن يتخطى كافة النواميس الخلقية، وأن يخرج على العرف الاجتماعي.
على كل حال اندس إلى الشيعة الصوفية معا بعض هذه التعاليم، وتلاقيا في بعض هذه المظاهر فكما اعتقد المهدية في المهدي واختفائه وخروجه؛ ليملأ الأرض عدلا اعتقد الصوفيون أن هناك مملكة روحانية منظمة تنظيما دقيقا، وهي وراء هذه المملكة الظاهرة، كما اعتقد الشيعة أن لهم أئمة غير الأئمة الرسميين من أمويين وعباسيين وغيرهم، وسمى الصوفية رؤساء هذه المملكة بأسماء خاصة كالقطب والغوث والأبدال، فالقطب يمثل الإمام أو الخليفة وهو على رأس المملكة الروحانية، وأحيانا يسمونه قطبا وأحيانا غوثا، فإذا سموه قطبا فباعتبار مركزه في المملكة الروحانية وأنه على رأسهم، وإذا سموه غوثا فباعتباره ملجأ الملهوف، وقد عرفوه بأنه موضوع نظر الله في كل زمان أعطاه الله الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون سريان الروح في الجسد وبيده قسطاس الفيض الأعم، وهو يتبع علمه وعلمه يتبع الحق وهو يفيض روح الحياة على الكون ومرتبته تسمى القطبية، وهو باطن روح الحياة على الكون ومرتبته تسمى القطبية، وهو باطن روح النبوة ولا تكون القطبية بعده إلا لورثته، وليسوا ورثته لصلبه ولكن ورثته ممن يستحقون هذه الولاية، وله في المملكة الروحانية نواب يسمون الأبدال، كل إقليم له بدل خاص يشرف على شئونه، وهكذا رسموا معالم هذه الولاية الروحانية، وقسموا أعمالهم وقالوا: إنها لروحانيتها معصومة كعصمة الأنبياء والأئمة، وهاموا في ذلك ما شاء لهم الخيال، فهم يضعون الخطط للعالم الظاهري؛ ليفعل ما يفعل ويترك ما يترك فسموا كثيرا من كبار الصوفية بقطب الأقطاب والقطب الرباني ونحو ذلك.
وسموه أيضا بمجمع البحرين؛ لأنه يجتمع في بحر الوجوب والإمكان، وتجتمع فيه الأسماء الإلهية والحقائق الكونية إلخ ... فكم من القرب بين تعاليم الصوفية وتعاليم الشيعة في هذا الباب، وكذلك بين تعاليم الصوفية وتعاليم المهدوية.
وقد عقد ابن خلدون فصلا قيما في المهدي والمهدوية، ذكر فيه الأحداث التي وردت في المهدي مثل ما رواه جابر، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «من كذب بالمهدي فقد كفر ومن كذب بالدجال فقد كذب»، ومثل ما رواه الترمذي عن النبي
صلى الله عليه وسلم : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي»، ومثل حديث عن علي عن النبي قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي، يملؤها عدلا كما ملئت جورا»، ومثل ما رواه الحاكم عن أم سلمة قالت: «سمعت رسول الله