تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأحاط المهدي السودان بسياج قوي حتى يتقي شر الدسائس، واضطر أن يمنع السودانيين مؤقتا من الحج، ولكنه أصيب في منتصف يونية سنة 1885 بالتيفوس، فمات بعد ذلك بأسبوع وأوصى بالخلافة من بعده لصديقه القديم عبد الله، وكناه بأبي بكر وهو عبد الله التعايشي المشهور.

وقد اغتر عبد الله هذا بقوته وسلطانه، فاعتزم غزو مصر وهو مشروع كان ينوي المهدي تحقيقه وخاف المصريون هذا العزم، فسير سنة 1889 جيشا إلى مصر على رأسه القائد عبد الرحمن النجومي، وأمره باجتياز وادي حلفا، فأنزلت حماية وادي حلفا بجيشه خسارة جسيمه في أثناء زحفه، وخرج أقرباء المهدي على التعايشي لما أحسوا بضعف سلطانه، وكان من أقواهم السيدة زوجة المهدي.

وفي خريف سنة 1896 «قضى اللورد كتشنر - وكان سردارا لمصر - على إمبراطورية المهدي»، وختمت هذه المأساة. ثم كان في آخر القرن التاسع عشر حركة مهدية أخرى في الصومال، إذ ظهر في الصومال محمد بن عبد الله حسن، وقد حج إلى مكة سنة 1895 وهناك تصوف واعتنق فكرة المهدية حتى إذا رجع إلى وطنه دعا إلى طريقته، وسرعان ما اكتسب نفوذا كبيرا في قبيلته، ولكن الحكومة البريطانية قضت عليه سريعا باكتسابها له، واستخدامها إياه في تهدئة الثورات التي تقوم حولها.

وأخيرا في أثناء الحرب العالمية الأولى استطاع الإيطاليون هناك أن يقضوا على سلطته في شمال الصومال، ومات سنة 1920 بعد أن بث في أتباعه تعاليم على غرار تعاليم المهدي.

| خاتمة

هذه صورة موجزة لما سببته مأساة فكرة المهدية، ومنها نفهم أن ثوراتها تكاد تكون متلاحقة منها ما كان يبلغ أقصى العنف كالحشاشين، ومنها ما كان يسالم كالبابية. وأيا ما كان فقد أثرت هذه الحركة في الدول الإسلامية المختلفة من أموية وعباسية وعثمانية، كما شجعت الصليبيين على فهم ما عليه المسلمون من ضعف، فهاجموهم واثقين من النصرة عليهم.

وبعد،

فمن المسئول عن ذلك؟ ...

إن الشيعيين اضطهدوا من السنيين وكانوا يدعون أنهم إنما يفعلون ذلك دفاعا عن أنفسهم، ولكن كانت غلطة يزيد بن معاوية في قتل الحسين غلطة كبرى لم يمكن إصلاحها، فظلت تعمل عملها على طول الأزمان. ولم يكتف السنيون بذلك بل جعلوا يقتلون كل إمام طالبي يظهر، ونحن إذا قرأنا كتاب «مقاتل الطالبيين» لأبي فرج الأصفهاني رعبنا من كثرة ما وقع على العلويين من قتل وتعذيب وتشرد، وهذا القتل المتتابع حمل العلويين أن يختفوا، وقام حول الاختفاء دعاو غير معقولة من عصمة الأئمة ونحو ذلك؛ ولهذا التعذيب والقتل أيضا اضطر الشيعيون أنت يعتنقوا مبدأ التقية، ومعناه ألا يبيحوا بأسرارهم ومعتقداتهم إلا لمن يثقون بهم، وأنشئوا لأنفسهم أدبا شيعيا لا ينقطع وهو يقابل الأدب السني، ولئن كان كثير من الأدب السني كان يقال في مدح الخلفاء والملوك والأمراء السنيين، فإن الأدب الشيعي كان يقال في مدح الأئمة والرثاء الحار في قتلاهم.

وقد أثرت هذه الأحداث المتتابعة أحزانا عميقة في نفوس الشيعة، وانقلبت أحيانا إلى ثورات مهدية نقلنا بعضها، كما أثارت دموعا غزيرة حارة حتى ضرب المثل برقة دمعة الشيعي، وقال القائل:

أرق من دمعة شيعية

تبكي علي بن أبي طالب

وألف الشيعيون الاضطهاد والبؤس والشقاء حتى تمرسوا عليه، وانقلبت بعد ذلك هذه الحالة إلى مؤامرات سرية وتدبيرات خفية حتى لو قلنا: إنهم مهروا في ذلك كمهارة الماسونية لم نبعد عن الصواب، وإلى الآن يجددون هذه الأحزان في العشرة الأولى من المحرم، وينشدون القصائد ويضربون أنفسهم بالجنازير ذكرى لمأساة كربلاء، ويخصون بالسخط والكراهية يزيد وآله الأمويين ويقول بعضهم: ما لحياتنا قيمة لو لم نحزن على مقتل الحسين ونبكي عليه. ويرى بعضهم أن الحزن على الحسين علامة الإيمان الصحيح.

المهدي والمهدوية · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المهدي والمهدويةص ١٨