تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما زاد في العطف عليهم أنهم أقرب الناس إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وأنهم معارضون للدولة الرسمية القائمة والمعارضون دائما ينالون عطف الشعوب كالذي نراه بين أحزابنا اليوم ... يضاف إلى ذلك أنهم مضطهدون، وكذلك المضطهد محل العطف وقد أنجح مواقفهم توالي الظلم من رجال الدولة الرسمية حتى لا يكاد ينجو من بذلك أحد منهم، فإسراف في الترف ومصادرات للأموال، وضرائب قاسية ظالمة وعكوف على الشراب إلى غير ذلك.

نعم إنه كان من الجميل جدا كرههم لظلم الخلفاء الرسميين، وإفهامهم الناس هذه المظالم التي ترتكب وحثهم على المطالبة بتحقيق العدل ورفع الظلم، ولكن يؤخذ عليهم شيئان:

الأول:

أنهم مزجوا هذه الدعوة بالأساطير، ولم يكتفوا بالرجوع إلى العقل.

والثاني:

أنهم لما ملكوا ونجحوا فعلوا في حكمهم مثل ما فعل الأمويون والعباسيون من مظالم ونحوها، فالفاطميون أسرفوا أيضا في الترف، واستمتعوا في مصر بكل أنواع النعيم كالذي روي عن هارون الرشيد.

وكانت ثروة الفاطميين تفوق القدر ويصعب تصديقها على العقل، فيقول المقريزي مثلا: إن رشيدة بنت المعز خلفت من العملة الذهبية نحو ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار عدا الجواهر والحلي، وخلفت ابنته الأخرى واسمها عبدة نحو سبعمائة وخمسين ألفا عدا الصناديق التي تحتوي على خمسة أكياس من الزمرد، وثلاثمائة قطعة فضية وثلاثين ألف ثوب صقلي، كما أن المعز اشترى ستارة من الديباج من فارس بنحو اثني عشر ألف دينار، وأولعوا بالتصوير مع أنه محرم في الإسلام فقالوا: إن اثنين من المصورين كان ينافس أحدهما الآخر هما القصير وابن عزيز، أحدهما صور الراقصة في ثياب بيض في قوس ملون بالسواد يحسبها الناظر داخلة فيه، والآخر صور فتاة بثياب حمر في قوس أصفر يحسبها الناظر بارزة منه، والخليفة الظاهر كان يعكف عن اللذائذ واللهو من خمر ونساء، ويترك أمور الدولة لوزرائه وقواده وهم يقابلونه كل عشرين يوما مرة، ثم يدعي هؤلاء النواب أنه أوعز إليهم بكل شيء، وأنه إمام معصوم متفرغ للعبادة. وقد كان يحدث هذا من الظاهر أيام كان الناس في مصر في مجاعة كبرى لا يجدون الخبز الضروري.

ولقد بدأت الدول الفاطمية في مصر ببذخ وترف، وانتهت بما يدلنا على غاية البذخ والترف، فبدأت بالهدايا التي قدمها جوهر للمعز، وانتهت ببيع صلاح الدين ما وجده في قصر المستنصر، وكل هذا التعرف والنعيم كان على حساب الشعب نفسه.

ولما حضر المعز أشار إلى طريقة حكمه إشارة مختصرة، وهي سيفه وذهبه حتى ضرب المثل بسيف المعز وذهبه، وليس حكم البلاد بواسطة السيف والذهب هو الحكم العادل الذي يطالب به المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا، ونقرأ سيرتهم في موائدهم واحتفالاتهم، فنعجب من كثرة فخفختهم وعظمتهم وغناهم، مع ما يحكى من فقر الشعب، وكان للمعز مثلا يوم حج شمسية نصبت له مصنوعة من الذهب، مزينة بالزمرد الأخضر والياقوت، وكتب عليها آيات الحج بزمرد أخضر، وحشيت الكتابة بدر كبير لم ير مثله، حتى إنها لما جرت نصبها عدة فراشين لكثرة ثقلها، وصنع سرير الملك من الذهب، واستعمل فيه مائة ألف مثقال، وعشرة آلاف مثقال، وكل الحياة من هذا القبيل ... هذا من ناحية ترف الخلفاء الفاطميين وبؤس الشعب. ومن ناحية أخرى كم قتل الحاكم بأمر الله وكذا فعل غيره من الخلفاء، ولما تولى الظاهر الفاطمي عكف على اللهو والملذات بما لا يقل شأنا من ترف المترفين المستهترين من الخلفاء العباسيين، ولما أزال صلاح الدين ملكهم وكل بالمحافظة على قصورهم الطواشي قراقوش، وتسلم القصور وفيها من خزائن ودواوين وأموال، ونفائس ما عظم عن الوصف، وقد قالوا: إن صلاح الدين أمر ببيع ما في القصور، فاستمر البيع فيها نحو عشر سنين وكان من الموجود فيها مائة صندوق من الكسوة الفاخرة الموشحة المرصعة، وعقود ثمينة وجواهر نفيسة، وكان فيها آلاف من العبيد والخدم وآلاف من الجواري ليس فيهم فحل إلا الخليفة وأولاده، وليس هذا الغنى المفرط إلا من دماء الشعب الفقير البائس.

المهدي والمهدوية · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المهدي والمهدويةص ١٩