تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن تعاليمهم أن الحج يحتاج إلى مال كثير يصرفه الحاج في سفره، وقد يصل إلى حد الإسراف وأكثر هذا المال يذهب إلى صناديق الشركات الأجنبية التي لا تفيد المسلمين شيئا، ويقترحون عليهم أن المال الذي يصرف على الحج يجب أن تفتح به مدارس لتعليم القرآن الكريم، حيث يستفيد الواحد منه إلى الأبد ... إلى أمثال هذه الدعاوى.

وهذه الفرقة تسمى أحيانا القاديانية، وأحيانا تسمى الأحمدية نسبة إلى غلام أحمد، وأكثر المسلمين ينفرون منهم، ويعتقدون أنهم مارقون عن الإسلام خارجون على أهله، وقد صرح مصطفى كمال باشا وشيخ الإسلام ومفتي الإسلام بخروج القاديانية عن الإسلام. ويزعم محمد علي وأتباعه أنهم مسلمون، وأن غلام أحمد ليس إلا مسلما ومجددا، ولكن في كتبهم الأساسية ما يثبت غير ذلك، فقد نشر في مجلة الديانات مجلد 6 ص299 أن (محمد علي) رئيس القاديانية كتب أن الصاحب ميرزا «نبي» آخر الزمان، ويعنون بميرزا هذا غلام أحمد، وجاء في الخطبة الإلهامية لميرزا هذا قال: رأيت في المنام أني إله وأنا في اعتقادي كذلك «ع كمالات ص 565»، ويقول: إني أعتقد أن الإيحاءات التي أتلقاها معصومة من الخطأ كتلك التي كان ينزل بها القرآن «الدر الثمين». وقال: «إن إيماني بما يوحى إلي ليس أقل - على كل حال - من إيماني بالقرآن الكريم».

وجاء في أخبار الأخبار «أن الله يقول له أي ميرزا: أخبر الناس كافة أنك الرسول المقدس إليهم جميعا»، وجاء في كتاب آخر، أن الله الحق هو الذي أرسل نبيه في قاديان، وأن مدينة قاديان ستظل في مأمن من الوباء إذ كانت محل إقامته، ثم تدلى فزعم أنه أعظم من الحسين بن علي، وأنه المهدي المنتظر. •••

كما نشأ في الهند زعماء كثيرون تسموا بالمهدي، ولكن دعوتهم لم تلق النجاح الذي لقيته البابية والبهائية والقاديانية، كدعوى السيد أحمد الذي ظهر في أوائل القرن التاسع عشر في جهات الهند، وحارب الأشياخ على حدود بنجاب الشمالية الغربية سنة 1826، ولكن لم تقم له قائمة.

| السنوسية

وربما كان من أشهر دعاة المهدية في العصور الحديثة أيضا السيد محمد المهدي السنوسي ابن الشيخ محمد السنوسي، ظهر في المغرب في أواسط القرن الثالث عشر الهجري، ونزل جغبوب على مقربة من واحة سيوة، وقد أنشأ زوايا كثيرة في أماكن متعددة يبلغ عددها نحو ثلاثمائة زاوية، وانتشرت طريقته انتشارا عظيما، ولما توفي لمح قبل وفاته أن المهدي المنتظر سيظهر قريبا، وأن ظهوره سيكون ختام القرن الثالث عشر الهجري، وقد رأيت كتابا عنوانه «الدرة الفرية في بيان الطريقة السنوسية» مطبوعا بمطبعة الجريدة بمصر، وتدور مقدمته على إثبات أن السيد السنوسي هذا هو المهدي المبشر به، ومما جاء في تلك المقدمة قوله : «أعلم أن أستاذنا السيد محمد المهدي - رضي الله عنه - كانت ولادته بماسة من الجبل الأخضر، سنة 1260 أول ليلة من ذي القعدة عند الفجر وغيابه عن الأعيان لحكمة أرادها الواحد المنان ضحوة يوم الأحد 24 صفر سنة 1320 ...».

| مهدي السودان

وأخيرا كان المهدي في السودان، وقد كانت له حركة قوية شغلت الحكومات زمنا طويلا. وقد ولد المهدي هذا واسمه محمد بن عبد الله في دنقلة، وأسرته تقول: إنها شريفة من نسل رسول الله، وقد درس الفقه ثم تصوف علما وعملا وقد خالف شيخه في التصوف وتزهد وتقشف، وكون لنفسه مريدين وأنصارا على مذهبه الخاص وألف لهم الكتب الكثيرة يدعوهم فيها إلى طريقته، وما زال يكبر في نفسه حتى اعتقد أنه المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا وصلاحا، وقوى هذه العقيدة في نفسه صديقه عبد الله وهو المعروف بالتعايشي الذي أصبح خليفة من بعده، وأصله من دنقلة كذلك وقد حسن له عبد الله هذا الرحلة إلى كردفان، وفي أثنائها اتصل بكثير من رؤساء القبائل، وساعد على نجاح دعوته بعض الأهالي للحكومة المصرية لما كان يوم به بعض الولاة من فرض ضرائب ظالمة، ومعاملة قاسية وما كان من إعلان الحكومة المصرية عزمها على إلغاء الرقيق، وقد أثر ذلك أثرا سيئا في الحياة الاقتصادية في البلاد، فلما قويت حركته بعث رءوف باشا حاكم السودان إلى المهدي يأمره بالمثول بين يديه في الخرطوم؛ لأنه كان يستهين بأمره فلم يأبه المهدي بأمره، بل أجاب عن هذا بإعلانه أنه سيد البلاد الحقيقي، وأعلن الجهاد ضد الكافرين وهو يقصد بالكافرين ما يشمل المسلمين المصريين الظالمين، فأرسل رءوف باشا حملة عليه مكونة من مائتي رجل ببنادقهم ومدافعهم، وكان المهدي إذ ذاك يقيم في جزيرة آبا فأمر رءوف باشا جنوده بإطلاق النار على المهديين، وكان ذلك نهارا ولم يكن للمهدي بنادق ولا مدافع، فأمر أصحابه بالسكوت وأن يكمنوا في الأدغال حتى يجيء الليل، ثم أمرهم بالخروج من الأدغال ليلا، فهجموا على الجنود المصريين وأفنوهم، واستولوا على ذخائرهم ... ومن ذلك الوقت حاربهم المهدي بسلاحهم، ثم انتقل إلى كردفان ليكون بعيدا عن مقر الحكومة المصرية في الخرطوم ... وسيرت الحكومة المصرية حملة أخري قوية مؤلفة من نحو ستة آلاف رجل، ولكنها لم تتخذ وسائل الوقاية المعتادة، وكان من العادات المتبعة في السودان أن يحاط الجند ليلا بأسياج شائكة، فلم يفعلوا ذلك هذه المرة فأتاهم المهدي ليلا بجنوده وأبادهم، وإذ ذاك عظم شأنه واشتد أتباعه إيمانا به، وكان له في القاهرة أتباع يبشرون به، وتقاطر الناس من جميع أنحاء السودان؛ ليروا ولي الله ويقدموا له الهدايا، وكان منظره إذ ذاك متصوفا زاهدا يلبس جبة وسراويل من كتان ويتمنطق بحزام، ولكنه فيما بعد قلد المسلمين الأولين في احتياز خمس الغنائم، وأضاف إلى ذلك مصادرته للسارقين والخمارين والمدخنين للتبغ، فكثرت الأموال لديه، وانقلب مترفا وحرم على أتباعه دراسة علم الكلام والفقه، وأحرق الكتب التي تعالج هذه الموضوعات، ولكنه أوصى بالرجوع إلى أصول الإسلام الأولى من قرآن وحديث. ولما احتلت الحكومة البريطانية مصر بعد ثورة عرابي، أرادت أن تخضع السودان فبعثت بعشرة آلاف مصري بقيادة هكس باشا، ولكن من الأسف أن أعلنت ذلك وأبطأت في إعداد عدة الحملة، وذلك مكن المهدي من حسن الاستعداد فهجم المهدي على المصريين غير أن المصريين صدوا هجومه أول الأمر، ثم همزوا آخره وأبيدوا عن بكرة أبيهم، فوقع السودان كله تحت سلطان المهدي وفر من كان فيه من الأوروبيين إلى مصر، واستسلم للمهدي سلاطين باشا، وكان قبل ضابطا نمسويا ثم حاكما على دارفور، ثم اعتزمت الحكومة المصرية مصالحة المهدي والتخلي عن السودان، وأرسلت لهذه المهمة غوردون باشا، فأرسل غوردون إلى المهدي يعترف به سلطانا على كردفان، ويعترف بإباحة تجارة الرقيق فأجابه المهدي طالبا إليه الاستسلام، وعزم المهدي على محاصرة الخرطوم وفيها غوردن باشا، فتقدم إليها وقد أخطأ غوردون فلم يعلن إخلاء المدينة من غير المحاربين فكانوا سببا في الاضطراب، والحاجة الشديدة إلى الضروري من الأقوات وأخيرا أمر أتباعه بالهجوم على المدينة، ففتحوها وقتل غوردون وترك البريطانيون السودان مؤقتا.

المهدي والمهدوية · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المهدي والمهدويةص ١٧